كتاب
التقاعد.. مت قاعد!
تاريخ النشر: 23 يونيو 2026 22:36 KSA
كنَّا في رحلة نظَّمتها الهيئة العامَّة للسياحة والتراث الوطنيِّ، ضمن برنامج «قافلة الإعلام السياحيِّ» إلى منطقة القصيم، وكان يديرها مدير الإعلام السياحيِّ بالهيئة -آنذاك- محمد الرشيد. وتضمَّن البرنامج زيارة مزارع يديرها وقف الشيخ سليمان الراجحي في بريدة.
وفي بداية جولتنا في مزارع الدواجن، ومصنع منتجاتها، التقينا بالشيخ سليمان الراجحي، وابنه الأكبر محمد، وهما من المشرفين على الوقف، فأبو محمد رئيس مجلس النظَّار، وابنه أحد أعضائه.
أخذنا الشيخ في جولة شملت المختبرات، وما يجري فيها من أبحاث وتجارب وابتكارات، ومنها حشرة نافعة تقضي على الحشرات الضارَّة، وجهاز يخلِّص مسالخ الدواجن من الرَّوائح المزعجة التي كانت تؤذي الجيران، فكان لا بُدَّ من إيجاد حلٍّ عمليٍّ للمشكلة.
سألته: متى تفكِّر في التقاعد؟
فابتسم وأجاب: (أنا أعتبرُ كلمةَ التقاعد تعني: مت قاعد!). ثمَّ أضاف -ما معناه- إنَّ الإنسان ما دام يتمتَّع بالصحَّة والقدرة على العمل، فعليه أنْ يواصل الإنتاج والعطاء والخدمة حتَّى آخر لحظة من حياته.
وبالفعل، استمرَّ رجلُ الأعمال الكبير متفرِّغًا للعمل يوميًّا على مدار العام، ولا سيَّما في مجال الأعمال الخيريَّة، حتى اضطرته ظروفه الصحيَّة إلى التخفُّف من بعض أعبائه. متَّعه اللهُ بالصحَّة والعافية.
ونفس المنطق سمعته من رجال أعمال، ومُحسنين كبار، مثل الشيخ عبدالرحمن فقيه، والشيخ عمر باجمال -حفظهما الله- فقد واصلا العمل والإنجاز حتى العقد التَّاسع من العمر، قبل أنْ تفرض الظروف الصحيَّة عليهما تسليم مقاليد الإدارة إلى الجيل التالي.
وكنتُ أتناولُ طعامي بين حين وآخر في مطعم جاويٍّ شمال جدَّة. وكان يقفُ على الصندوق مديرٌ سعوديٌّ وقورٌ، يدير العمل، ويقرأ الصُّحف اليوميَّة. جلستُ إليه ذات مرَّة، فحكى لي قصَّته.
قال: (كنتُ مسؤولًا في إحدى الجهات الحكوميَّة المهمَّة، ثمَّ أُحلتُ إلى التقاعد. جلستُ في البيت أودِّع أحفادي إلى المدرسة صباحًا، وأستقبلهم عند عودتهم. أجلسُ معهم قليلًا، ثمَّ ينشغل كلُّ واحدٍ منهم بدراسته، أو أصدقائه، أو اهتماماته الخاصَّة. وفجأةً وجدتُ نفسي أملكُ وقتًا طويلًا ومملًّا، بينما الجميعُ حولي منشغلُون إلَّا أنا.
ذات يوم، حاولتُ إصلاح قفل الباب، فأفسدته! ثمَّ فعلتُ الشيء نفسه مع التلفزيون، وبعض أجهزة المنزل، عندها أدركتُ أنَّ بقائي في المنزل بهذه الصورة لا يفيدُني ولا يفيدُ غيري، فاجتهدتُ حتَّى افتتحتُ هذا المحل، وأصبحتُ أخرجُ يوميًّا لإدارته. أعودُ إلى المنزل مشتاقًا لهم، ومشتاقين إليَّ، كما كنَّا في الأيام الخوالي. صحيح أنَّني لم أتخلَّص تمامًا من الملل، لكن صار لديَّ هدف أعملُ من أجله، وحياة أكثر توازنًا).
أمَّا أنا، كاتبُ هذه السطور، فقبل تقاعدي من الجامعة كنتُ أخشى مرحلة الفراغ التي قد تملأ حياتي، لذلك بدأتُ أبحثُ مبكِّرًا عن بديل. لم أكنْ أطمحُ إلى وظيفة بدوام كامل، بل إلى عملٍ جزئيٍّ أو استشاريٍّ يتيح لي مواصلة النشاط الفكريِّ، مع وقتٍ كافٍ للسَّفر والرَّاحة.
لم أجدْ ما كنتُ أبحثُ عنه، لكنَّني مع الوقت تأقلمتُ مع الواقع الجديد. ففي الوقت الذي تنشغلُ فيه الأسرةُ بالعمل والدِّراسة، أذهبُ إلى النادي، أو إلى مكتبي؛ لتقديم بعض الاستشارات، أو أسافر إلى بلدةٍ بحريَّةٍ جميلةٍ في تركيا اشتريتُ فيها شقَّةً صغيرةً. أقرأُ وأكتبُ، وأمارسُ المشيَ والرياضةَ والتأمُّلَ.
ومثلي كثيرون، استعدُّوا لحياة ما بعد التقاعد، عبر هوايات جديدة، أو أعمال مناسبة، أو أسفار مؤجَّلة، أو نشاطات اجتماعيَّة وثقافيَّة تمنحهم معنًى وهدفًا.
وفي هذه المرحلة تحديدًا تُتاح للإنسان فرصة نادرة؛ ليختار ما يريد أنْ يفعله، وبالقدر الذي يريدُه، وأنْ يتوقَّف متى شاء، دون ضغوط الوظيفة، أو متطلَّبات المسار المهنيِّ.
لكنَّني أعرفُ آخرِينَ لم تسعفهُم ظروفُهم، أو استسلمُوا لواقع جديد، حصرهم بين أريكة المنزل، وشاشة التلفاز، ووسائل التواصل الاجتماعي. فتتكالبُ عليهم الأمراضُ المزمنةُ، وتزدادُ السُّمنةُ والكسلُ، ويصبحُ الروتينُ اليوميُّ سجنًا غير مرئيٍّ.
ويزيد من هذا الإحباط، أنَّ مؤسَّسات المجتمع لا تزال مقصِّرةً في الاستفادة من المتقاعدِين. فعلى الرغم من خبراتهم المتراكمة، وأوقاتهم المتاحة، لا توجد برامج كافية، أو جمعيَّات متخصِّصة، أو مبادرات واسعة تستثمر هذه الثَّروة البشريَّة الكبيرة. بل إنَّ بعض القطاعات التجاريَّة والماليَّة أصبحت تتعامل مع المتقاعد بوصفه فئة عالية المخاطر، فتضيق أمامه فرص التمويل والاستثمار والتأمين، وكأنَّ سنوات الخبرة الطويلة أصبحت عبئًا بدلًا من أنْ تكون رصيدًا.
وبغضِّ النَّظر عن هذه المعوِّقات، يبقى الدرسُ الأهمُّ أنَّ الإنسان يتقدَّم في العمر حين يتوقَّف عن التعلُّم والعطاء، لا حين يتقاعد من وظيفته، فالتقاعد نهاية وظيفة، لا نهاية دورٍ. وإغلاق باب مهنيٍّ، لا إغلاق أبواب الحياة. فالإنسان ما دام قادرًا على أنْ يتعلَّمَ، ويعملَ، ويخدمَ، ويحبَّ، ويحلمَ، فإنَّه لم يتقاعد حقًّا... بل بدأ فصلًا جديدًا من عُمرِهِ.
وفي بداية جولتنا في مزارع الدواجن، ومصنع منتجاتها، التقينا بالشيخ سليمان الراجحي، وابنه الأكبر محمد، وهما من المشرفين على الوقف، فأبو محمد رئيس مجلس النظَّار، وابنه أحد أعضائه.
أخذنا الشيخ في جولة شملت المختبرات، وما يجري فيها من أبحاث وتجارب وابتكارات، ومنها حشرة نافعة تقضي على الحشرات الضارَّة، وجهاز يخلِّص مسالخ الدواجن من الرَّوائح المزعجة التي كانت تؤذي الجيران، فكان لا بُدَّ من إيجاد حلٍّ عمليٍّ للمشكلة.
سألته: متى تفكِّر في التقاعد؟
فابتسم وأجاب: (أنا أعتبرُ كلمةَ التقاعد تعني: مت قاعد!). ثمَّ أضاف -ما معناه- إنَّ الإنسان ما دام يتمتَّع بالصحَّة والقدرة على العمل، فعليه أنْ يواصل الإنتاج والعطاء والخدمة حتَّى آخر لحظة من حياته.
وبالفعل، استمرَّ رجلُ الأعمال الكبير متفرِّغًا للعمل يوميًّا على مدار العام، ولا سيَّما في مجال الأعمال الخيريَّة، حتى اضطرته ظروفه الصحيَّة إلى التخفُّف من بعض أعبائه. متَّعه اللهُ بالصحَّة والعافية.
ونفس المنطق سمعته من رجال أعمال، ومُحسنين كبار، مثل الشيخ عبدالرحمن فقيه، والشيخ عمر باجمال -حفظهما الله- فقد واصلا العمل والإنجاز حتى العقد التَّاسع من العمر، قبل أنْ تفرض الظروف الصحيَّة عليهما تسليم مقاليد الإدارة إلى الجيل التالي.
وكنتُ أتناولُ طعامي بين حين وآخر في مطعم جاويٍّ شمال جدَّة. وكان يقفُ على الصندوق مديرٌ سعوديٌّ وقورٌ، يدير العمل، ويقرأ الصُّحف اليوميَّة. جلستُ إليه ذات مرَّة، فحكى لي قصَّته.
قال: (كنتُ مسؤولًا في إحدى الجهات الحكوميَّة المهمَّة، ثمَّ أُحلتُ إلى التقاعد. جلستُ في البيت أودِّع أحفادي إلى المدرسة صباحًا، وأستقبلهم عند عودتهم. أجلسُ معهم قليلًا، ثمَّ ينشغل كلُّ واحدٍ منهم بدراسته، أو أصدقائه، أو اهتماماته الخاصَّة. وفجأةً وجدتُ نفسي أملكُ وقتًا طويلًا ومملًّا، بينما الجميعُ حولي منشغلُون إلَّا أنا.
ذات يوم، حاولتُ إصلاح قفل الباب، فأفسدته! ثمَّ فعلتُ الشيء نفسه مع التلفزيون، وبعض أجهزة المنزل، عندها أدركتُ أنَّ بقائي في المنزل بهذه الصورة لا يفيدُني ولا يفيدُ غيري، فاجتهدتُ حتَّى افتتحتُ هذا المحل، وأصبحتُ أخرجُ يوميًّا لإدارته. أعودُ إلى المنزل مشتاقًا لهم، ومشتاقين إليَّ، كما كنَّا في الأيام الخوالي. صحيح أنَّني لم أتخلَّص تمامًا من الملل، لكن صار لديَّ هدف أعملُ من أجله، وحياة أكثر توازنًا).
أمَّا أنا، كاتبُ هذه السطور، فقبل تقاعدي من الجامعة كنتُ أخشى مرحلة الفراغ التي قد تملأ حياتي، لذلك بدأتُ أبحثُ مبكِّرًا عن بديل. لم أكنْ أطمحُ إلى وظيفة بدوام كامل، بل إلى عملٍ جزئيٍّ أو استشاريٍّ يتيح لي مواصلة النشاط الفكريِّ، مع وقتٍ كافٍ للسَّفر والرَّاحة.
لم أجدْ ما كنتُ أبحثُ عنه، لكنَّني مع الوقت تأقلمتُ مع الواقع الجديد. ففي الوقت الذي تنشغلُ فيه الأسرةُ بالعمل والدِّراسة، أذهبُ إلى النادي، أو إلى مكتبي؛ لتقديم بعض الاستشارات، أو أسافر إلى بلدةٍ بحريَّةٍ جميلةٍ في تركيا اشتريتُ فيها شقَّةً صغيرةً. أقرأُ وأكتبُ، وأمارسُ المشيَ والرياضةَ والتأمُّلَ.
ومثلي كثيرون، استعدُّوا لحياة ما بعد التقاعد، عبر هوايات جديدة، أو أعمال مناسبة، أو أسفار مؤجَّلة، أو نشاطات اجتماعيَّة وثقافيَّة تمنحهم معنًى وهدفًا.
وفي هذه المرحلة تحديدًا تُتاح للإنسان فرصة نادرة؛ ليختار ما يريد أنْ يفعله، وبالقدر الذي يريدُه، وأنْ يتوقَّف متى شاء، دون ضغوط الوظيفة، أو متطلَّبات المسار المهنيِّ.
لكنَّني أعرفُ آخرِينَ لم تسعفهُم ظروفُهم، أو استسلمُوا لواقع جديد، حصرهم بين أريكة المنزل، وشاشة التلفاز، ووسائل التواصل الاجتماعي. فتتكالبُ عليهم الأمراضُ المزمنةُ، وتزدادُ السُّمنةُ والكسلُ، ويصبحُ الروتينُ اليوميُّ سجنًا غير مرئيٍّ.
ويزيد من هذا الإحباط، أنَّ مؤسَّسات المجتمع لا تزال مقصِّرةً في الاستفادة من المتقاعدِين. فعلى الرغم من خبراتهم المتراكمة، وأوقاتهم المتاحة، لا توجد برامج كافية، أو جمعيَّات متخصِّصة، أو مبادرات واسعة تستثمر هذه الثَّروة البشريَّة الكبيرة. بل إنَّ بعض القطاعات التجاريَّة والماليَّة أصبحت تتعامل مع المتقاعد بوصفه فئة عالية المخاطر، فتضيق أمامه فرص التمويل والاستثمار والتأمين، وكأنَّ سنوات الخبرة الطويلة أصبحت عبئًا بدلًا من أنْ تكون رصيدًا.
وبغضِّ النَّظر عن هذه المعوِّقات، يبقى الدرسُ الأهمُّ أنَّ الإنسان يتقدَّم في العمر حين يتوقَّف عن التعلُّم والعطاء، لا حين يتقاعد من وظيفته، فالتقاعد نهاية وظيفة، لا نهاية دورٍ. وإغلاق باب مهنيٍّ، لا إغلاق أبواب الحياة. فالإنسان ما دام قادرًا على أنْ يتعلَّمَ، ويعملَ، ويخدمَ، ويحبَّ، ويحلمَ، فإنَّه لم يتقاعد حقًّا... بل بدأ فصلًا جديدًا من عُمرِهِ.