كتاب

الخبث الإداري!!

يُفترض أنْ تكون الإدارة هي المحرِّك الأساس لتوجيه الطَّاقات، وبناء القدرات، وتحقيق الأهداف الإستراتيجيَّة بروح الفريق، إلَّا أنَّ الواقع العملي يكشفُ أحيانًا عن وجهٍ مظلمٍ للعملية الإداريَّة، يُعرف بـالخُبث الإداريِّ، أو ما يُعرف في أدبيَّات الفكر الإداريِّ بالسياسات المكتبيَّة المظلمة، وهذا المفهوم لا يعبِّر عن نقص الكفاءة، أو قلَّة الخبرة، بل يشير إلى سلوك متعمَّد وممنهج يمارسه بعض المديرِين لتحقيق مصالح شخصيَّة ضيِّقة، أو للحفاظ على كراسيهم ونفوذهم، حتَّى لو كان ذلك على حساب مصلحة المنظَّمة، وسلامة بيئة العمل النفسيَّة والمهنيَّة.
يتَّخذ الخبثُ الإداريُّ أشكالًا متعدِّدةً، تتّسم -غالبًا- بالذكاء الاجتماعيِّ السلبيِّ، والقدرة على التلوُّن، ومن أبرز هذه المظاهر، سياسة «فرَّق تَسُد»، حيث يعتمد المديرُ الخبيثُ على خلق صراعات وهميَّة، وخلافات بين أعضاء الفريق الواحد، وسرقة الجهود، وتجيير النجاحات، تعتبر من أوضح علامات الخُبث الإداريِّ، وهذا السلوك يقتل روح الابتكار، ويدفع الكفاءات إلى الإحباط والانسحاب الصامت والإقصاء، وعندما يشعر القائدُ الخبيثُ بوجود موظَّف يمتلك كفاءةً عاليةً قد تهدد مركزه مستقبلًا، فإنَّه لا يسعى لتطويره، بل يبدأ في ممارسة التَّهميش الذكي ضده، عبر حرمانه من المعلومات الأساسيَّة للعمل، أو استبعاده من الاجتماعات المهمَّة، أو إسناد مهام تافهة لا تناسب قدراته؛ بهدف إظهاره بمظهر غير المنتج.

وهناك النفاقُ التنظيميُّ، والشفافيَّةُ الزائفةُ، يتظاهر هؤلاء المديرُون بالحرص على مصلحة الموظَّفين والدِّفاع عن حقوقهم في العلن، بينما يمارسُون في الخفاء سياسات تضييق الخناق، ويعتمدُون على نظام التقارير السريَّة، ونشر الجواسيس داخل بيئة العمل؛ لنقل الأخبار، وتشويه الصُّور.
إنَّ استشراء الخبث الإداري في أي منظمة، لا يتوقف أثره عند المشاعر السلبية للموظفين، بل يمتد ليكون معول هدم لبنية المؤسسة كاملة، من الإخلال بالعدالة والمحسوبيَّة، إلى شعور الموظَّفين بالظُّلم؛ ممَّا يخفِّض ولاءهم للمؤسَّسة، ويدفعهم لبذل حدٍّ أدنى من الجهد فقط للبقاء، وكذلك نزيف الكفاءات، والبيئة المسمومة بالخُبث الإداريِّ هي بيئة طاردة للعقول؛ ممَّا يترك المؤسَّسة في النهاية تحت رحمة الموظَّفين الأقل كفاءة، أو المنافقين الذين يجيدُون التَّعامل مع هذا الفساد الإداريِّ، وبالتالي توقّع انخفاض الإنتاجيَّة والربحيَّة، وتتوجَّه طاقة الموظَّفين نحو حماية أنفسهم من المكائد، بدلًا من التركيز على تطوير العمل، وتتراجع جودة المخرجات، وتتأخَّر المشروعات؛ ممَّا يؤثِّر مباشرةً على سُمعة المنظَّمة وأرباحها.

ولمواجهة هذا الوباء التَّنظيمي، تقعُ المسؤوليَّة على عاتق الإدارة العُليا أوَّلًا، ثمَّ على عاتق الموظَّفين أنفسهم، فلا يمكن للخُبث الإداريِّ أنْ ينموَ إلَّا في بيئة تغيب عنها الرقابةُ والمحاسبةُ، لذلك، يجب على مجالس الإدارات تفعيل آليَّات حوكمة حقيقيَّة، تشمل نظام تقييم لا يقتصر على رأي المدير في موظَّفيه، بل يتيح للموظَّفين تقييم مديرهم بشكلٍ سريٍّ وآمنٍ، وكذلك وجود قنوات تبليغ آمنة، توفِّر من خلالها قنوات تواصل مباشرة مع الموارد البشريَّة، أو الإدارة العُليا؛ للإبلاغ عن التجاوزات دون خوف من الانتقام.
أمَّا على مستوى الموظَّف، فإنَّ مواجهة الخُبث الإداري تتطلَّب وعيًا وحذرًا شديدَين، من خلال التوثيق المستمر للأعمال، إذ يجبُ على الموظَّف توثيق كافَّة التوجيهات والقرارات عبر البريد الإلكترونيِّ الرسميِّ، والابتعاد عن الاعتماد على الأوامر الشفهيَّة التي يسهل الإنكار والتنصُّل منها، والحفاظ على مسافة أمان مهنيَّة مع الإدارة، وعدم الانجرار إلى النَّميمة أو الصِّراعات الجانبيَّة التي يفتعلُها المديرُ الخبيثُ، وأيضًا بناء شبكة علاقات واسعة تعزِّز العلاقات مع الأقسام الأخرى، والإدارة العُليا بعيدًا عن دائرة المدير المباشر؛ لإثبات الكفاءة بشكل مستقل.
(الخبثُ الإداريُّ أنْ يُشعرَك البعضُ بأنَّ الصَّمتَ حكمةٌ، وأنَّ تُحمَّلَ أخطاء لم تكنْ طرفًا فيهَا).

أخبار ذات صلة

آباء الفقه والقانون اليتيم
سيدة التراث.. وذاكرة الوطن
سقيُ الماء.. التحول عن المفهوم
ليست أزمة ورق.. بل أزمة نموذج
;
الدروس المستقاة من الهجرة النبوية
الخبالة الإلكترونية !
الوطن... دَينٌ في أعناق الأحرار
لوبيات القيادة
;
في وداع الصديق الغالي ورفيق العمر: يحيى الهلالي
حين تنهض السعودية
غسل الكعبة المشرفة شعيرةٌ إيمانيةٌ خالدة ورسالةُ توحيدٍ متجددة ورعايةٌ سعوديةٌ رائدة
الجامعات.. والرسائل المجتمعية
;
القدرات بين فخ الأرقام وأفق الإبداع
بلادنا.. والاستفادة من الميزة النسبية
«تكفـــــــى»
منظومة.. تمنع أي طرف من فرض هيمنته على المنطقة