كتاب
سيدة التراث.. وذاكرة الوطن
تاريخ النشر: 30 يونيو 2026 23:25 KSA
حين تُكرَّم الدكتورةُ هند صالح باغفار، فإنَّنا لا نحتفي باسم ثقافيٍّ عابرٍ، بل نحتفي بذاكرةٍ وطنيَّةٍ كاملةٍ، وبامرأةٍ جعلت من التراث مشروعَ عُمرٍ، ومن الحكاية الشعبيَّة وثيقةً، ومن الحرفة القديمة شاهدًا على حياة النَّاس، وملامح المكان. فالتَّكريمُ الذي حظيت به مؤخَّرًا على مسرح جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة، من جمعيَّة التراث غير الماديِّ، ليس مجرَّد مناسبة بروتوكوليَّة، بل هو اعترافٌ مُستحقٌّ بمسيرة طويلة في خدمة الثقافة الشعبيَّة، والتراث السعوديِّ.
هند باغفار -مع حفظ الألقاب- ليست باحثةً في التراث فحسب، بل هي شاهدةٌ على تحوُّلات المجتمع، وواحدة من الرَّائدات اللواتي جمعن بين الصحافة والأدب والفن والتوثيق. بدأت علاقتها بالكلمة مبكِّرًا، واشتغلت في الصَّحافة النسائيَّة، وكتبتْ وألَّفتْ وحاضرَتْ، لكنَّها وجدتْ في التراث مجالًا أوسعَ من الكتابة؛ لأنَّه يمسُّ الوجدانَ والهويَّة والتَّاريخ الاجتماعي للنَّاس. فالتراث عندها ليس زينةً للمناسبات، ولا أزياء تُعرَض في الاحتفالات، بل هو ذاكرة حيَّة تحمل تفاصيل البيوت والأسواق والحارات، والأغاني والحِرف، والملابس والحلي والعادات.
ولهذا تبدُو عبارة «سيَّدة التراث، وذاكرة الوطن» ملائمةً تمامًا، لا على سبيل المجاملة، بل لأنَّها منحت التراث صوتًا ومنبرًا وكتابًا. فقد عُرفت باهتمامها الواسع بالموروث الشعبيِّ في مناطق المملكة، وبسعيها إلى جمعه وتوثيقه، قبل أنْ يطويه النسيانُ.
ومن اللَّافت في تجربتها، أنَّها لا تتعامل مع التراث من مسافة أكاديميَّة باردة، بل من محبَّة عميقة وتفاصيل معايشة؛ تحفظ أسماء الحِرف، وتستعيد صور الأسواق القديمة، وتروي عن الملابس والحلي والإيقاعات الشعبيَّة، كما لو كانت تفتح ألبومًا عائليًّا لوطن بأكمله.
ومن أعمالها التي تضيءُ هذا المسار كتاب: «الحلي والملابس الشعبيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة»، وهو عملٌ يكشفُ كيف يمكن لقطعة قماش، أو حلي فضيَّة، أو نقش مطرَّز أنْ يختزن تاريخًا اجتماعيًّا وجماليًّا كاملًا. فالأزياء الشعبيَّة ليست مجرَّد ثياب، بل لغة للمكان، وعلامة على البيئة، وصورة من صور الذَّوق المجتمعيِّ. كذلك الحلي ليست زينةً صامتةً، بل جزءٌ من ذاكرة المرأة، ومن طقوس الفرح، ومن تاريخ الحِرفة، واليد التي صنعتها. وفي مثل هذه الأعمال يتحوَّل التوثيقُ إلى فعل إنقاذ، إنقاذ لما كان يمكن أنْ يتبدَّد في الذاكرة الشفويَّة، أو يختصر في صورة عابرةٍ.
استضافها صالون الكلمة الثقافي، في أحد لقاءات الموسم الثَّاني، للحديث عن الحِرف اليدويَّة، كان لقاءً استثنائيًّا، كعادتها خلال حضورها في كل لقاء تتم استضافتها فيه، لديها حضورٌ قويٌّ، وجمهورٌ عريضٌ يهطل على القاعة بفرحٍ وشغفٍ.
حديثها عن الحرف اليدويَّة فتح سؤالًا مهمًّا حول علاقتنا بالماضي: هل ننظر إلى الحِرفة القديمة بوصفها مهنةً انتهى زمنُها، أم بوصفها موردًا ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياحيًّا يمكن إحياؤه؟ لقد أكَّدت على أهميَّة الحِرف التقليديَّة، وإلى ضرورة تعليمها للأجيال الجديدة؛ لأنَّ الحِرفة ليست منتجًا يدويًّا فحسب، بل مهارة وكرامة عمل، وصِلَة بين الإنسان وبيئته. وفي زمن تتَّجه فيه المملكةُ إلى تعزيز حضور الثقافة والتراث في التَّنمية والسِّياحة والهويَّة الوطنيَّة، تصبح تجربة هند باغفار عميقةً وذات أهميَّة، فقد سجَّلت 260 حِرفةً يدويَّةً، تؤكِّد على قيمة ما نمتلكه من كنوز حِرفيَّة.
هذا التكريمُ ليس الأوَّل، ولن يكون الأخير؛ لأنَّها كُرِّمت في مناسبات ومبادرات عديدة؛ لأنَّ أهمية تكريمها لا تقف عند حدود الوفاء الشخصيِّ، بل تمتد إلى رسالة ثقافيَّة أوسع: إنَّ المجتمعاتِ التي تحترمُ ذاكرتها تحترمُ روَّادها. فهي رائدةُ التراث، باحثة عملتْ بصمتٍ، جمعت المادَّة من أفواه الرُّواة، ومن البيوت القديمة، ومن الأسواق والقرى والبادية، ثمَّ قدَّمت للأجيال مادةً تحفظ ملامح الحياة، قبل أنْ تتغيَّر.
الاحتفاء بـ»باغفار» هو احتفاء بالمرأة السعودية، التي أسهمت في بناء الوعي الثقافي، قبل أنْ تصبح الثقافة عنوانًا مؤسسيًّا واسعًا. هو احتفاء بالكاتبة التي رأت في التراث مادة للمعرفة، لا للحنين وحده، وبالباحثة التي آمنت بأنَّ الموروث الشعبي ليس أقلَّ شأنًا من التاريخ الرسميِّ؛ لأنه يروي حكاية النَّاس اليوميَّة: كيف لبسُوا، وغنُّوا، واحتفلُوا، وعملُوا، وتوارثُوا المعاني جيلًا بعد جيلٍ.
لقد اختارت هند باغفار أنْ تكون قريبةً من ذاكرة النَّاس، وأنْ تصغى إلى التفاصيل الصَّغيرة التي غالبًا ما تهملها الكتابة الكُبرى. لذلك يستحق تكريمها أنْ يُقرأ بوصفه تكريمًا لكلِّ أُمٍّ حفظت حكاية، وكلِّ حِرفيٍِّ صانَ مهنةً، وكلِّ امرأة خبَّأت في صندوقها قطعة حلي، أو ثوبًا يروي تاريخَ أسرةٍ ومكانٍ. فالوطن لا يُحفظ بالوثائق الرسميَّة وحدها، بل أيضًا بالأغنية، والثوب، والحِرفة، والمثل الشعبيِّ، والرَّائحة القديمة للبيوت.
هند باغفار -مع حفظ الألقاب- ليست باحثةً في التراث فحسب، بل هي شاهدةٌ على تحوُّلات المجتمع، وواحدة من الرَّائدات اللواتي جمعن بين الصحافة والأدب والفن والتوثيق. بدأت علاقتها بالكلمة مبكِّرًا، واشتغلت في الصَّحافة النسائيَّة، وكتبتْ وألَّفتْ وحاضرَتْ، لكنَّها وجدتْ في التراث مجالًا أوسعَ من الكتابة؛ لأنَّه يمسُّ الوجدانَ والهويَّة والتَّاريخ الاجتماعي للنَّاس. فالتراث عندها ليس زينةً للمناسبات، ولا أزياء تُعرَض في الاحتفالات، بل هو ذاكرة حيَّة تحمل تفاصيل البيوت والأسواق والحارات، والأغاني والحِرف، والملابس والحلي والعادات.
ولهذا تبدُو عبارة «سيَّدة التراث، وذاكرة الوطن» ملائمةً تمامًا، لا على سبيل المجاملة، بل لأنَّها منحت التراث صوتًا ومنبرًا وكتابًا. فقد عُرفت باهتمامها الواسع بالموروث الشعبيِّ في مناطق المملكة، وبسعيها إلى جمعه وتوثيقه، قبل أنْ يطويه النسيانُ.
ومن اللَّافت في تجربتها، أنَّها لا تتعامل مع التراث من مسافة أكاديميَّة باردة، بل من محبَّة عميقة وتفاصيل معايشة؛ تحفظ أسماء الحِرف، وتستعيد صور الأسواق القديمة، وتروي عن الملابس والحلي والإيقاعات الشعبيَّة، كما لو كانت تفتح ألبومًا عائليًّا لوطن بأكمله.
ومن أعمالها التي تضيءُ هذا المسار كتاب: «الحلي والملابس الشعبيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة»، وهو عملٌ يكشفُ كيف يمكن لقطعة قماش، أو حلي فضيَّة، أو نقش مطرَّز أنْ يختزن تاريخًا اجتماعيًّا وجماليًّا كاملًا. فالأزياء الشعبيَّة ليست مجرَّد ثياب، بل لغة للمكان، وعلامة على البيئة، وصورة من صور الذَّوق المجتمعيِّ. كذلك الحلي ليست زينةً صامتةً، بل جزءٌ من ذاكرة المرأة، ومن طقوس الفرح، ومن تاريخ الحِرفة، واليد التي صنعتها. وفي مثل هذه الأعمال يتحوَّل التوثيقُ إلى فعل إنقاذ، إنقاذ لما كان يمكن أنْ يتبدَّد في الذاكرة الشفويَّة، أو يختصر في صورة عابرةٍ.
استضافها صالون الكلمة الثقافي، في أحد لقاءات الموسم الثَّاني، للحديث عن الحِرف اليدويَّة، كان لقاءً استثنائيًّا، كعادتها خلال حضورها في كل لقاء تتم استضافتها فيه، لديها حضورٌ قويٌّ، وجمهورٌ عريضٌ يهطل على القاعة بفرحٍ وشغفٍ.
حديثها عن الحرف اليدويَّة فتح سؤالًا مهمًّا حول علاقتنا بالماضي: هل ننظر إلى الحِرفة القديمة بوصفها مهنةً انتهى زمنُها، أم بوصفها موردًا ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياحيًّا يمكن إحياؤه؟ لقد أكَّدت على أهميَّة الحِرف التقليديَّة، وإلى ضرورة تعليمها للأجيال الجديدة؛ لأنَّ الحِرفة ليست منتجًا يدويًّا فحسب، بل مهارة وكرامة عمل، وصِلَة بين الإنسان وبيئته. وفي زمن تتَّجه فيه المملكةُ إلى تعزيز حضور الثقافة والتراث في التَّنمية والسِّياحة والهويَّة الوطنيَّة، تصبح تجربة هند باغفار عميقةً وذات أهميَّة، فقد سجَّلت 260 حِرفةً يدويَّةً، تؤكِّد على قيمة ما نمتلكه من كنوز حِرفيَّة.
هذا التكريمُ ليس الأوَّل، ولن يكون الأخير؛ لأنَّها كُرِّمت في مناسبات ومبادرات عديدة؛ لأنَّ أهمية تكريمها لا تقف عند حدود الوفاء الشخصيِّ، بل تمتد إلى رسالة ثقافيَّة أوسع: إنَّ المجتمعاتِ التي تحترمُ ذاكرتها تحترمُ روَّادها. فهي رائدةُ التراث، باحثة عملتْ بصمتٍ، جمعت المادَّة من أفواه الرُّواة، ومن البيوت القديمة، ومن الأسواق والقرى والبادية، ثمَّ قدَّمت للأجيال مادةً تحفظ ملامح الحياة، قبل أنْ تتغيَّر.
الاحتفاء بـ»باغفار» هو احتفاء بالمرأة السعودية، التي أسهمت في بناء الوعي الثقافي، قبل أنْ تصبح الثقافة عنوانًا مؤسسيًّا واسعًا. هو احتفاء بالكاتبة التي رأت في التراث مادة للمعرفة، لا للحنين وحده، وبالباحثة التي آمنت بأنَّ الموروث الشعبي ليس أقلَّ شأنًا من التاريخ الرسميِّ؛ لأنه يروي حكاية النَّاس اليوميَّة: كيف لبسُوا، وغنُّوا، واحتفلُوا، وعملُوا، وتوارثُوا المعاني جيلًا بعد جيلٍ.
لقد اختارت هند باغفار أنْ تكون قريبةً من ذاكرة النَّاس، وأنْ تصغى إلى التفاصيل الصَّغيرة التي غالبًا ما تهملها الكتابة الكُبرى. لذلك يستحق تكريمها أنْ يُقرأ بوصفه تكريمًا لكلِّ أُمٍّ حفظت حكاية، وكلِّ حِرفيٍِّ صانَ مهنةً، وكلِّ امرأة خبَّأت في صندوقها قطعة حلي، أو ثوبًا يروي تاريخَ أسرةٍ ومكانٍ. فالوطن لا يُحفظ بالوثائق الرسميَّة وحدها، بل أيضًا بالأغنية، والثوب، والحِرفة، والمثل الشعبيِّ، والرَّائحة القديمة للبيوت.