كتاب

عمر كدَرس.. عبقري اللحن السعودي

عمر نوح فلَّاتة (المعروف بعمر كدَرس)، أحد الأعمدة المُؤسِّسة لثقافة الأغنية السعوديَّة الحديثة، رغم أنَّ اسمه لا يُتدَاول جماهيريًّا؛ بالقدر الذي تتردَّد فيه أسماء مَن صدحُوا بألحانه المميَّزة.
وُلِد في المدينة المنوَّرة (عام 1933)، ونشأ بحسٍّ موسيقيٍّ مبكِّر، فأولع بالعودِ والكَمانِ، وراح يدندنُ بأعمال كبار المطربِينَ -آنذاك-، مثل سيِّد درويش، ومحمد عبدالوهاب، والسنباطي، وأم كلثوم. وقد مهَّد له هذا الشَّغف، مقرونًا بموهبته الفذَّة، الالتحاق بالفرقة الموسيقيَّة لإذاعة جدَّة، حيث تولَّى لاحقًا رئاسة قسم البرامج الشعبيَّة، وتمكَّن، بوصفه مستشارًا موسيقيًّا، من التأثير العميق في تشكيل الذَّائقة الفنيَّة السعوديَّة لعقودٍ متعاقبةٍ.

يُحسب للفنَّان (كدَرس) مزجه النَّاضج بين الإيقاع الحجازيِّ والتراث السعوديِّ الأوسع، وبين البناء اللحنيِّ العربيِّ الكلاسيكيِّ، وبهذا أسهم في انتقال الأغنية السعوديَّة من طابعها المحليِّ إلى فضاءٍ عربيٍّ أرحب، مع الحفاظ على هويتها النغميَّة الحجازيَّة. كما يُعدُّ صوته من الأصوات الشجيَّة الطربيَّة الحجازيَّة الأصيلة في الغناء، وفنِّ الموَّال، وكان من أبرز مَن أسهمُوا في تقديم الفنَّان (محمد عبده) في بداياتهِ، ويُعدُّ أحد أساتذته في التُّراث الغنائيِّ والثقافة الموسيقيَّة.
ورغم أنَّ إنتاجه اللحني لم يكن غزيرًا من حيث الكمِّ، فإنَّه كان بالغ الأثر من حيث القِيمة الفنيَّة، والوزن الجماليِّ، فألحانه تُمثِّل علاماتٍ راسخةً في ذاكرة الطَّرب السعوديِّ. ويكفي أنْ نستعيدَ «ليلة خميس» بصوت (محمد عبده)، و»مقبول منك» بصوت (طلال مداح)؛ لندرك أنَّنا أمام موسيقارٍ لم يكن مجرَّد صائغ ألحانٍ فحسب، بل صاحب رُؤية موسيقيَّة واسعة، وبصمة تراثيَّة لا تُمحَى.

عاش (كدَرس) حياةً بسيطةً متواضعةً، وواجه في أواخر عمره أمراضًا قاسيَّةً، قبل أنْ يرحل -رحمه الله- (عام 2002)، تاركًا إرثًا فنيًّا ما يزال يُستعَاد عبر النَّدوات والبرامج التلفزيونيَّة، ومنصَّات التواصل الاجتماعيِّ، حيث يتجدَّد الاهتمامُ بتجربته الثريَّة، وتُعاد قراءتها بشغفٍ وانبهارٍ.
إنَّ الكتابة عن (عمر كدَرس) ليست مجرَّد استعادة لسيرة موسيقار من الزَّمن الجميل، بل هي وفاء مستحق لرمزٍ من رموز الأغنية السعوديَّة، الذين ساهمُوا في صنع الهويَّة الطربيَّة للوطن، ومن الإنصاف أنْ يُقرَأ اسمُه -اليوم- بوصفهِ ركنًا أصيلًا، وعنصرًا مؤسِّسًا في تلك الهويَّة، لا سطرًا منسيًّا في حكاية الطَّرب السعوديِّ.

أخبار ذات صلة

الأوقاف بين ذاكرة مكة ورؤية الرياض
من القُرصان إلى العقيلات
ما هي أدنى درجات الرزق؟
شاشات الاغتراب
;
سموم النفوس
طبيعة النشاط والمهنة.. وأثرها على الممارسة
الحوثي.. هروبٌ نحو الوهم
مغــــــرز
;
هل تقوم الصين.. بتصعيد معركة تايوان العام القادم؟
السعودية.. تكبح عبث أطباء التواصل
عندما يفتح العالم دفتره أمام عام 2030.. هل سيحقق أهداف التنمية المستدامة في الموعد المحدد؟
مشكلة المنتخب في هؤلاء!!
;
الإجازة وفضول (الأسئلة)!
عام الحزن.. وسورة الأمل
قصر خزام في جدة
خروج الأخضر.. جرس إنذار قبل مونديال 2034