
لجزيرة صقلية الإيطاليَّة حكايات، ومن بينها حكاية عالِمٍ مُسلمٍ حمل شغفه بالجغرافيا، إلى بلاط ملك نورماني، وترك وصفًا لمدن الجزيرة ومعالمها. إنَّه الشَّريف الإدريسي، الذي عمل في صقلية في القرن الثاني عشر، وأعدَّ للملكِ روجر الثاني كتابَه «نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق». وفي صفحات كتابهِ تتجاور حكايات المُدن والنَّاس مع وصف الأرض، ومياهها، وطرقها، وجبالها. ولهذه الجزيرة مكانٌ في ذكرياتِي، فقد زرتُ مدينة كاتانيا في بداية دراستِي الجامعيَّة، وقُمنا خلال تلك الرحلة بزيارة بركان إتنا في صقلية،
نعرفُ جبلَ أُحد قبل أنْ نراه، ونستحضرُ عند ذكرِه قولَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «أُحدٌ جَبلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». ونعرفُ جبالَ عير، والجماوات، ويقصدُ كثيرُون متنزَّه البيضاء شمال المدينة. لكنْ، في الوقت الذي تحضرُ فيه هذه المعالم بأسمائِها وقصصِها في ذاكرة سكَّان المدينة وزوَّارها، تظلُّ الحرَّةُ الممتدَّة جنوبها أقلَّ حضورًا، رغم اتِّساعها وقيمتها الطبيعيَّة والتاريخيَّة. فماذا نعرفُ عن هذا المشهد البركانيِّ؟ وكم اسمًا من أسماءِ جبالهِ وفوَّهاتهِ يمكنُ أنْ نستحضرَ؟ لا أقول
تظهر التَّصنيفات الجامعيَّة كل عام، فتتبدَّل الأرقامُ وتبدأ الاحتفالاتُ: جامعة تقدَّمت عشرة مراكز، وأُخْرى دخلت قائمة الخمسمئة، وثالثة أصبحت ضمن أفضل ثمانمئة جامعة في العالم. لكنْ ماذا يعني ذلك فعلًا؟ وهل أصبح الرقمُ شهادةَ جودةٍ، أم تحوَّل إلى غايةٍ إداريَّةٍ ومادةٍ إعلانيَّةٍ؟ وهل يعرفُ الطالبُ أصلًا معنى هذا الرَّقم؟ الجامعاتُ التي تحتلُّ المئة، أو المئتين الأُولى، تكادُ تكونُ معروفةً قبل صدور القوائم. قد تتبادل المواقع، وتتقدَّم في تصنيفٍ، وتتراجع في آخرَ، لكنَّها تبقى في الدائرة نفسها؛
تمثِّل المسابقة الدوليَّة لتطوير موقع جبل أم نثيلة في حرة المدينة المنوَّرة، فكرةً رائدةً تستحقُّ الإشادة بها؛ لأنَّها تتجه إلى أحد المشاهد البركانيَّة المميزة، وتسعى إلى تحويله إلى وجهة معرفيَّة وسياحيَّة تتيح للزائر اكتشاف المكان وفهم قصته الجيولوجيَّة. كما أنَّها تفتح المجال أمام خبرات وأفكار متنوِّعة يمكن أنْ تقدم تصورًا حديثًا يليق بقيمة الموقع. ولا ينبغي أنْ تتوقف هذه المبادرة عند أم نثيلة وحدها؛ فحرَّة المدينة تضم مواقع بركانيَّة كثيرة، تتنوَّع بين الفوهات والمخاريط وتدفقات اللابة
كشفت الكارثةُ التي شهدتها نيبالُ أخيرًا، بعد انهيار جزءٍ من نهر جليديٍّ مرتفعٍ، عن مسألة تتجاوز حدود الجغرافيا والجِبال: كيف نفهمُ الكوارث، وكيف نختارُ الكلمات التي تصفُها؟ فقد بدأ الحدث بانهيارِ كتلةٍ من الجليد والصُّخور، ثمَّ تحوَّل إلى اندفاعٍ هائلٍ من الحُطام، وسيولٍ جارفةٍ اجتاحت القُرى والطُّرق والمنشآت. وعندما انحسرت المياهُ، ظهرت مساحاتٌ واسعةٌ مغطَّاةٌ بالطِّين والطَّمي، في صورة كشفت حجم ما حملته السُّيول في طريقها. ولم يكنْ ما جرى حادثًا واحدًا، بل سلسلة من الأخطار ولَّد كلُّ واحد
العالمُ اليوم، لا يبحثُ عن مستقبله فوق الأرض فقط، بل بدأ ينظرُ إلى ما تخفيه أعماق البحار. واليابان تقدِّم مثالًا مثيرًا، فقد نجحت مؤخَّرًا في استخراج نحو خمسين طنًّا من الطِّين الغنيِّ بالعناصر الأرضيَّة النادرة المهمَّة للصناعات الحديثة من قاع المحيط قرب جزيرة ميناميتوريشيما، من عمق يقارب ستة كيلومترات. تجربة غير مسبوقة بهذا العمق، وقد تكون بداية طريق طويل نحو مصدر جديد لمواد أصبح العالم يعتمد عليها في كثير من تقنياته. ولماذا تفعل اليابان ذلك؟ لأنَّ الصين تملك اليوم، نفوذًا كبيرًا في إنتاج
حين أتحدَّثُ عن براكين المملكة، في خارج المملكة، أو حتى في داخلها، أرى الدَّهشة على الوجوه. فقد اختُزلتُ صورة الجزيرة العربيَّة في الرِّمال والسَّواحل، وغاب عن كثيرِين، عالمٌ آخرُ يمتدُّ على طول غرب المملكة: حرَّات واسعة تضمُّ نحو ثلاثة آلاف بركانٍ صغيرٍ، تحيط بها مساحاتٌ من الطُّفوح البازلتيَّة. قضيتُ سنواتٍ أتنقَّلُ بين هذه الحرَّات، أقرأُ صخورها، وأصعدُ مخاريطها، وأتتبَّعُ مسارات حممِهَا. ومع الوقت نشأ بيني وبينها ارتباطٌ يتجاوز العمل العلميَّ. فكلُّ مخروط يحمل قصَّة ثوران، وكلُّ طفحٍ أسودَ
نعرفُ أنَّ الجامعات السعوديَّة دخلت بالفعل مرحلة التَّصنيف، لكنَّ السؤال الذي ما زال مفتوحًا هو: ماذا غيَّر هذا التَّصنيف؟ ومَن يعرف نتائجه؟ فقد اعتمد مجلسُ شؤون الجامعات عام 2022 تقسيمها إلى خمس فئات: تطبيقيَّة، وتدريسيَّة، وشاملة، وبحثيَّة، وتخصصيَّة. وفي فبراير 2025 صدرت نتائج الدورة التأسيسيَّة لتصنيف «صقر»، وشملت 54 مؤسسة حكوميَّة وأهليَّة. لكن أين جدول النتائج؟ أيُّ الجامعات بلغ مستوى التميُّز؟ وأيُّها جاء في التقدُّم، أو الانطلاق، أو التهيئة؟ لم أعثرْ على قائمة رسميَّة عامَّة بأسماء
تكمن أهميَّة صعود الجامعات الصينيَّة في الطَّريق الذي سلكته للوصول إلى المراكز المتقدِّمة عالميًّا. فقد اعتدنا النَّظر إلى الجامعات الأمريكيَّة والبريطانيَّة بوصفها النموذج الطبيعي للجامعة العالميَّة: استقلال واسع، ومجالس قويَّة، وتقاليد أكاديميَّة تكوَّنت عبر زمنٍ طويلٍ. الصين اختارت طريقًا يناسب نظامها وأهدافها، من دون أنْ تنسخ غيرها حرفيًّا. جامعات مثل تسينغهوا، وبكينن وفودانن وشانغهاي جياو تونغ، أصبحت اليوم في مواقع متقدِّمة عالميًّا، وخصوصًا في العلوم والهندسة والتقنية. وجاء هذا التقدُّم
يظنُّ الإنسانُ أنَّه كلَّما اتَّسعت معارفه، اقترب من امتلاك الحقيقة كاملةً. لكنَّ رحلة العلم نفسها تعلِّمنا العكس، فكل اكتشاف جديد، لا يغلق باب الأسئلة، بل يفتح أبوابًا أكبرَ. وكأنَّ المعرفة، كلَّما اتَّسعت، كشفت لنا حجم ما نجهله. ولهذا يتحدَّث بعضُ الفلاسفة اليوم، عن مفهوم يُسمُّونَه “العَمَى الإبستيمي” (Epistemic Blindness)، وهو ليس عمى البصر، بل عجزُ الإنسانِ عن إدراك حقائقَ موجودةٍ، ليس لأنَّها خفيَّةٌ في ذاتها، وإنَّما لأنَّ أدوات معرفته وحواسه وعقله لا تستطيع الإحاطة بها. غير أنَّ هذا
المدن ليست مجرَّد مساحات إسمنتيَّة تتمدَّد أفقيًّا، بل هي نتاج جغرافيَّتها وتضاريسها؛ فالأرضُ لا تحدِّد موقع المدن فحسب، بل ترسم شخصيَّتها أيضًا. في كثيرٍ من أنحاء العالم، لا تقف الطبيعةُ عند حدود المدن، بل تتغلغل في تفاصيلها، تاريخها، ويوميات سكَّانها. المظاهر الجيولوجيَّة، والتكوينات الصخريَّة المحيطة بها ليست عوامل صامتة، بل هي قَدَرٌ صاغَ هويَّة تلك المدن، وفرض شروطه التخطيطيَّة والاقتصاديَّة. إذا تأمَّلنا في جزر الكناري، مثل لانزاروتي وتينيريفي، أو نظرنا إلى آيسلندا وجزر هاواي، سنجد مدنًا
أثناء وجودي بمحطة قطار مطار الملك عبدالعزيز بجدة، استوقفني فيلم تعريفي لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، يبرز مكانتها المتقدمة في عدد من المؤشرات والتصنيفات العلمية والإنجازات. وبينما كنت أتابع العرض، عاد إلى ذهني سؤال يتردد كثيرًا في الأخبار: لماذا تتجه العديد من الجهات الحكومية والشركات الكبرى إلى كاوست عند حاجتها إلى الدراسات المتقدمة، أو الشراكات البحثية، أو الحلول التقنية؟ وهل يمثل ذلك نوعًا من التحيز لجامعة بعينها؟ في تقديري، تكمن الإجابة في مفهوم بسيط: فالمؤسسات تبحث عادة عن
عندما نقول إنَّ الجزيرة العربيَّة كانت خضراء، قد يذهبُ الخيالُ مباشرةً إلى غابات كثيفة كالأمازون، أشجارها متشابكة، وظلالها تحجبُ الشَّمسَ عن الأرض. لكنَّ الصورة الأقرب في معظم مناطق الجزيرة القديمة، لم تكن غابةً مغلقةً، بل بيئة مفتوحة تشبه السافانا. وكلمة «سافانا» في أصلها، تشير إلى السهل العشبي المفتوح، حيث تمتد الحشائشُ على مساحات واسعة، وتتوزَّع الأشجارُ والشجيراتُ على مسافات متباعدة، فلا تصنع مظلَّة مغلقة فوق الأرض. ولهذا تصل الشَّمسُ إلى التربة، فتنمُو الأعشابُ بعد المطر، وتتحوَّل الأرضُ
ليست الجامعاتُ العريقةُ هي التي تصنعُ الأسماء، بل الأسماءُ الكبيرةُ هي التي تصنعُ هويَّة الجامعات. فجامعة جورج واشنطن، لم تُعرف باسم «جامعة الرئيس الأوَّل»، بل حملت اسم جورج واشنطن نفسه. وجامعة هارفارد لم تُعرف باسم «جامعة المتبرِّع»، بل حملت اسم جون هارفارد، حتَّى أصبح جزءًا من هويتها العالميَّة. فالأسماءُ الصريحةُ هي التي تصنعُ العلامة المؤسسيَّة، أمَّا الألقابُ فتبقى مرتبطةً بالسِّياق المحليِّ والثقافيِّ. ومن هذا المنطلق، أرى أنَّ استخدام الاسم الكامل «جامعة الملك عبدالعزيز» هو الخيار الأقوى
كثيرًا ما يقفُ الجيولوجيُّ المبتدئ أمام حجرٍ قديمٍ، يقلبه، ويسأل في فضول: متى وُضع هنا؟ ولماذا يغرق في تفاصيل هذا الحجر، وينسى أنْ يرفع رأسه ليرى الجبل؟! هذه هي حكايتنا بالضَّبط مع الآثار الحجريَّة في الحرَّات البركانيَّة الممتدَّة في السعوديَّة. يذهب الباحثُ إلى هناك، يمسك بعدسته المكبِّرة، ويدرس موقعًا واحدًا، أو عدَّة مواقع في حرَّةٍ واحدةٍ، وينسى أنَّ هناك آلاف المواقع الأُخْرى تقف في صمتٍ، تنتظر مَن يسمع همسها الجماعي. المشكلة ليست فيما يقوله لنا موقعٍ واحدٍ، بل في تلك الجوقة الهائلة، التي
بين الحين والآخر، أجدُ نفسي مدفوعًا بفضولٍ خفيٍّ لزيارة الموقع الإلكترونيِّ لجامعة «لانكاستر».. هناك حيث قضيتُ سنوات الدِّراسة، وحيث تشكَّل جزء كبير من العقل والوجدان. كنتُ في البداية أتوقَّعُ أنْ أجدَ مكاني القديم كما تركته.. نفس الأسماء، نفس اللافتات المعلَّقة على أبواب الأقسام، نفس الهيكل الذي ألفته. ولكن لا.. شيء غريب ومدهش يحدث هناك! كل سنتين أو أربع، أعودُ لأطلَّ من نافذة الإنترنت، فأجدُ جامعةً أُخْرى.. لا أتحدَّث هنا عن تغيير في لون الموقع، أو إعادة ترتيب للصور والروابط؛ لتبدو أكثر
اعتدنا أنْ ننظرَ إلى التكنولوجيا؛ بوصفها وسيلةً لتسهيل حياتنا. فقد وفَّرت لنا الآلاتُ جهدًا بدنيًّا هائلًا، واختصرت أعمالًا كانت تستغرقُ ساعاتٍ أو أيَّامًا. لكن مع ظهور الذكاءِ الاصطناعيِّ، بدأنا نقتربُ من مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تقتصر على توفير الجهد البدنيِّ، بل تمتد إلى بعض المهام الذهنيَّة أيضًا. والخوف اليوم ليس أنْ تستأجر أيدينا الآلات؛ لتؤدِّي الأعمال الشاقَّة، بل أنْ نؤجِّر عقولنا لها؛ لتؤدِّي عنَّا بعض مهام التفكير. في عام 2024 اختارت مطبعة جامعة أكسفورد مصطلح «تعفن الدماغ» كلمةً للعام.
دُعيتُ -مؤخَّرًا- لزيارة إحدى الاستراحات الريفيَّة الجميلة، في ضواحي مدينة جدَّة، في منطقة لا تبعدُ كثيرًا عن صخب المدينة الساحليَّة. كانت الاستراحة من الداخل تشبه واحةً غنَّاء؛ مظهر سياحي بديع، تنسيق رائع، وخدمات تجعلُ منها مقصدًا مثاليًّا للرَّاحة والاستجمام. ولكن، ما استوقفنِي وأثار في نفسي الكثير من التساؤلات، هو الرِّحلة التي خضتُها للوصول إلى هذا المكان الجميل. فقد كان الطريقُ مزيجًا من أسفلتٍ متآكلٍ في أجزاء، وطرق ترابيَّة وعرة في أجزاء أُخْرى، يخترقُ قريةً صغيرةً أو بلدةً نمت -على ما
ليست فكرةُ «الجامعة الشاملة»، التي تضمُّ عشراتِ الكليَّات والمسارات، وصفةً جاهزةً تصلحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ. فجمعُ المعارف في مؤسَّسةٍ واحدةٍ له جذورٌ عريقةٌ في التاريخ الإنسانيِّ، والحضارة الإسلاميَّة، كما في الأزهر، وبيت الحكمة، كما أنَّ الجامعة البحثيَّة الحديثة تأثَّرت لاحقًا بنماذج أوروبيَّة مهمَّة، وفي مقدِّمتها النموذج الهمبولتي، الذي ربط بين البحث والتدريس. غير أنَّ نجاح هذا النموذج لا يعني أنَّ تقليد شكله الخارجي يكفي لإنتاج جامعةٍ حقيقيَّةٍ. المشكلةُ في كثيرٍ من دول العالم النَّامي لا
هي رحلةٌ أستعينُ فيها بذكرياتِي وأمانِيَّ تخيَّلتهَا وأتخيَّلهَا كلَّ حينٍ. بدأتُ التجوُّل في حرَّة المدينة، كما سمَّيتُها في رسالتِي للدكتوراة قبل أربعين سنةً تقريبًا. تجوَّلتُ فيها عندما لم تكن هناك طرقٌ، من منطقة الوبرة أقصى الجنوب، وحتَّى موقع الثوران البركانيِّ التاريخيِّ المهيب الذي حدث قبل 800 عامٍ تقريبًا. أغمضُ عيني لأرى ذلك الحلم، أتصوَّره وقد أصبحَ واقعًا ملموسًا، يجمع بين سحر الطبيعة، وعبقريَّة التَّخطيط، ولنبدأ معًا هذه الزيارة التخيُّليَّة لمشروع متنزَّه المدينة البركانيِّ، والذي