
ربَّما لا نعرفُ أنفسنا جيدًا ونحنُ بين الذين يعرفُونَنا. في المكان الذي وُلِدنا فيه، تسبقُنا أسماؤنا ومهنُنا وعلاقاتُنا وما يعرفه النَّاسُ عنَّا. أمَّا حين نغادر ذلك كله، ونصل إلى مكانٍ لا يعرفُنا فيه أحدٌ، فإنَّ شيئًا ما يسقط عن أكتافنا. لا أحدَ يعرفُ اسمنا، ولا تاريخنا، ولا ما نملك. نصبح -ببساطة- إنسانًا أمام إنسان. وهنا يبدأ التِّرحال الحقيقيُّ. قد يجلس المسافرُ في قرية بعيدة، لا يفهم لغةَ أهلها، ولا يعرف شيئًا عن حياتهم. وربَّما لا يستطيع أنْ يبادلهم أكثر من ابتسامة، أو إشارة باليد. ومع
يعيش الفكرُ الإنسانيُّ بين قوَّتين متعارضتَين: الرَّغبة في الاحتفاظ بما نعرفه، والحاجة إلى إعادة النَّظر فيه. ومن هذا التوتر، وُلدت أسئلة رافقت الإنسان كلَّما تغيَّر الزَّمن من حوله. نحن لا نتعاملُ مع أفكارنا باعتبارها آراءً عابرةً دائمًا، بعضها يرتبطُ بذاكرتنا وتجاربنا وتكويننا، فيصبح التخلِّي عنها أشبه بالتخلِّي عن جزءٍ من ذواتنا. ولهذا قد ندافع عنها حتَّى بعد أنْ تتغيَّر الظروف التي نشأت فيها. هنا تظهر المشكلة الحقيقيَّة: متى يكون التمسُّك موقفًا واعيًا؟ ومتى يصبح مجرَّد خوف من المراجعة؟
ليس اليومُ الوطنيُّ مجرَّد يومٍ نضعُ حوله علامةً في التَّقويم، ولا مجرَّد استعادة لحدثٍ مضى وأصبح جزءًا من صفحات التَّاريخ. إنَّه لحظة نتوقَّف فيها قليلًا؛ لنتأمَّل معنى المكان حين يتحوَّل من أرضٍ نعيشُ عليها إلى وطنٍ نعيشُ فيه. في البدايات كانت الأرضُ متباعدةً، تفصل بينها المسافاتُ، ومشقَّةُ الطريقِ، ولكلِّ ناحية حكايتها وذاكرتها. لكنَّ الجغرافيا وحدَها لا تصنعُ وطنًا؛ فالوطنُ يبدأ حين يجدُ الإنسان في الأرض أكثرَ من مكانٍ للسَّكن، فيجد فيها ذاكرته، وانتماءَه، ومستقبلَه. ومن هنا يصبحُ اليومُ
لا أتذكَّرُ يومًا قال فيه أحدُنا للآخر: لم نعد صديقَين. لا تُوجد دائمًا مشاجرة، ولا كلمة قاسية، ولا باب يُغلق في وجه أحدٍ. أحيانًا يحدث الأمرُ بهدوءٍ شديدٍ. يقلُّ الاتِّصالُ، تتباعدُ اللقاءاتِ، تصبح الأخبارُ أقلَّ، ثمَّ تمرُّ فترة طويلة، ونكتشف أنَّنا لم نعد نعرف عن بعضنا شيئًا. والغريب أنَّنا لا نشعرُ في البداية بأنَّ شيئًا انتهى. نواصل حياتنا، ثمَّ تأتي لحظة عابرة نتذكَّر فيها شخصًا كان قريبًا منَّا، فنقول في داخلنا: أين ذهب؟ ربما ذهب إلى مكانٍ آخرَ من الحياة. نحن نخطئُ أحيانًا عندما نعتقدُ
ثمَّة أشياء نركضُ إليها طويلًا، وحين نصلُ إليها لا نعرفُ ماذا نفعلُ بها. ربما لأنَّنا، في الطريق إليها، كنَّا نتخيَّل لحظة الوصول أكثر ممَّا تخيَّلنا الحياة بعدها. هكذا يمكن أنْ يحدث مع النجاح. يبدأ الأمرُ بحلمٍ صغيرٍ، ثمَّ يكبر الحلمُ معنا. نمنحه سنوات من العمر، ونقتطعُ له من راحتنا، ونؤجِّل أشياء كثيرة من أجله. نقول لأنفسنا إنَّنا سنعود إليها عندما نصل. لكنَّنا، حين نصل، نكتشف أنََّ بعض الأشياء التي أجَّلناها لم تعد تنتظرنا. صديقٌ تغيَّر، بيتٌ لم يعدْ يشبهُ البيتَ الذي غادرناه، أيامٌ مضت ولم
كلَّما تقدَّمت الآلةُ خطوةً إلى الأمام، وقفنا أمامها بإعجابٍ، وربما بشيءٍ من القلق. في سنواتٍ قليلةٍ، تعلَّمت الآلةُ أنْ تكتبَ، وتلخِّصَ، وتحلِّلَ، وتبحثَ، وأنْ تجيبَ عن أسئلةٍ كانت تحتاج في السَّابق إلى وقتٍ طويلٍ من البحث والتفكير. وكلَّما ظهرت قدرةٌ جديدةٌ لها، عدنا إلى السُّؤال نفسه: ماذا سيبقى للإنسان؟ ربما السُّؤال ليس في مكانه الصَّحيح. فالمشكلة ليست أنَّ الآلة أصبحت أكثر ذكاءً، وإنَّما في أنَّ الإنسان بدأ يتنازل لها، شيئًا فشيئًا، عن بعض الأشياء التي كانت جزءًا طبيعيًّا من حياته. كان
نحنُ لا نرى الأشياء دائمًا كما هي. قد تبدُو لنا الحقيقة واضحةً، فنطمئن إلى أنَّنا فهمنا ما حدث، ثمَّ نكتشفُ -بعدَ وقتٍ- أنَّ الصُّورة التي استقرَّت في أذهاننا كانت تحملُ شيئًا منَّا أكثر ممَّا تحمل من الواقع. قد نرى في موقفٍ عابرٍ إساءةً لا تُغتفر، بينما يراه الطَّرفُ الآخرُ مجرَّد سوءِ فهم. وقد نرى في شخصٍ نحبُّه صفاتٍ ربَّما لم تكن فيه أصلًا، فقط لأنَّنا أحببناهُ. وأحيانًا نُقنِع أنفسنَا بأنّ قرارًا اتَّخذناهُ كان صائبًا، حتى بعد أنْ تبدأ نتائجه في إخبارنا بغير ذلك. الرَّغبة أحيانًا لا تغيِّر
هناك أماكنُ نعيشُ فيها ثمَّ نغادرها، ولا يبقى منها في الذَّاكرة إلَّا اسمُها. وهناك أماكنُ أُخْرى نغادرها، لكنَّها لا تغادرُنَا. من بين تلك الأماكن، بقيت في ذاكرتي عشَّة صغيرة من الطِّين، كانت في طرف المزرعة، بعيدةً عن العمران. جدرانُها من الطِّين، وسقفُها من جريد النّخل، وأرضُها ترابيَّة. لم يكنْ فيها ماءٌ، ولا أدوات للطَّبخ، ولا شيء تقريبًا من الأشياء التي يحتاجُها الإنسانُ في حياته اليوميَّة. كانت غرفة للمبيت والدِّراسة، أمَّا بقيَّة احتياجات الحياة، فكانت خارجها. كنتُ أجلسُ ليلًا إلى كتبي،
بعد أنْ ينتهي النقاشُ، تبدأ أحيانًا الحكايةُ الحقيقيَّةُ. يتفرَّق الحاضرُون، وتعود الأصواتُ إلى هدوئها، ثمَّ يقتربُ منك أحدُ الذين لم تسمع منهم طوال الجلسة سوى كلمات التأييد. ينظرُ حوله كأنَّه يتأكَّد أنَّ أحدًا لا يسمع، ثمَّ يقول بهدوءٍ: «في الحقيقة... لم أكنْ مقتنعًا بكلِّ ما قِيل»..! في كلِّ مرَّة كنتُ أسمعُ هذه العبارة، كنتُ أتوقَّفُ عندها أكثر من توقُّفي عند النقاش نفسه. لم يكن السؤال: لماذا غيَّر رأيه؟ بل: لماذا أخفَى رأيه منذ البداية؟ ومع تكرار المشهد، بدأتُ أقتنعُ بأنَّ كثيرًا من
كم مرَّة أنهينا مكالمةً طويلةً مع شخصٍ نحبُّه، ثمَّ أغلقنا الهاتفَ وشعرنا -رغمَ ذلك- أنَّنا ما زلنا نشتاقُ إليه؟ سؤالٌ كهَذَا لم يكن ليخطر ببالِ أجيالٍ سابقةٍ؛ فقد كان الشوقُ يومًا ثمرةَ الغيابِ، أمَّا اليوم، فقد أصبح يولد أحيانًا في قلبِ الحضورِ نفسه. لقد اختصرت التقنيةُ المسافاتِ إلى حدٍّ بدا معه العالمُ أصغرَ ممَّا كان عليه في أيِّ وقتٍ مضى. نستطيع أنْ نرَى مَن نحبُّ، وأنْ نسمع أصواتَهم، وأنْ نطمئنَ على أخبارِهم في لحظاتٍ. غير أنَّ شيئًا آخرَ حدث في المقابل، فكلَّما اقتربت المسافاتُ، بدا
ليست الرياضةُ مجرَّد منافسة تُحسم بهدفٍ أو صافرةِ حكمٍ، بل هي مرآة تعكسُ مستوى وعي الشعوب، واحترامها للقانون، وقدرتها على إدارة مشاعر الفوز والهزيمة. وما يحدث في الملاعب لا يقلُّ دلالة عمَّا يحدث في ميادين السياسة والاقتصاد؛ لأنَّ الرياضة، في لحظات معدودة، تكشف ما قد تخفيه المجتمعات سنواتٍ طويلة. ولعل أجمل ما في الرياضة أنَّها لغة إنسانيَّة لا تحتاج إلى ترجمة. فهي تجمع شعوبًا تختلف في لغاتها وثقافاتها وأديانها وألوانها، لكنَّها تتَّفق على احترام قواعد المنافسة، والاحتفاء بالإبداع، والتصفيق
الأمم الحكيمة في عهود مضت، كانت تقطع الفيافي والقفار؛ بحثًا عن حكمة تبدِّد حيرتها، فكانت المعرفة عزيزة المنال، تُطلَب بالارتحال، وتُصَان بالتدبُّر. أمَّا اليوم، فقد انقلبت الأوضاع تمامًا؛ فلم يعد الإنسان المعاصر يشكُو شُحَّ المعلومة، بل بات يغرق في سيلها الجارف. لقد تحوَّلنا من كائنات تبحث عن الوعي، إلى مستودعات تُشحَن قسرًا بآلاف الصُّور، والأخبار، والجدالات اليوميَّة، التي لا تترك وراءها سوى الرَّماد الذهنيِّ. هذا التراكم البصريُّ والمعرفيُّ يضعنا أمام سؤال ملحٍّ: هل كثرة الامتلاء تقود إلى
ليست المشكلةُ في كثرة النَّاس من حولنا، ولا في كثرة العلاقات التي تنسجها الحياةُ، وإنَّما في ذلك الشعور الخفيِّ الذي يتسلَّل إلينا مع مرور الوقت، فنصبح مطالبِينَ بأنْ نكون حاضرِينَ دائمًا، متاحِينَ دائمًا، ومستعدِّينَ دائمًا لتبرير غيابِنا أو صمتِنا. ربَّما لم يكن الأمرُ كذلك في الماضي، أو لعلَّنا لم نكن نلتفت إليه. أمَّا اليوم، فقد أصبحت العلاقةُ في كثيرٍ من الأحيان محاطةً بتوقُّعات لا تنتهي. رسالة يتأخَّر الردُّ عليها، فتُفسَّر ببرودٍ، واعتذار عن مناسبة يُقرَأ على أنَّه جفاءٌ، وصمت قصير يفتح
ما الذي يدفع الإنسان إلى أنْ ينقلبَ على أفكاره، بعد أنْ أفنى سنواتٍ من عمره في الدفاع عنها؟ وكيف يتحوَّل بعض المفكِّرين من أشد المؤمنِين بقناعاتهم إلى أكثر المنتقدِين لها، حتى يبدُو وكأنَّهم يهدمُون بأيديهم ما شيَّدُوه على امتداد عقود من البحث والكتابة؟ ليس كلُّ تحوُّلٍ فكريِّ دليلًا على التناقض، كما أنَّه ليس دائمًا علامة على النُّضج. فالتاريخ الإنسانيُّ حافلٌ بمراجعات قادت إلى اكتشافات كبرى، وأسهمت في تصحيح مسارات فكريَّة راسخة. لكنَّه عرف أيضًا تحوُّلات يصعب فهمها إذا اقتصرنا على قراءة
كما أنَّ الرطوبة الخفيَّة قد تنخرُ أساسات البناء العتيق، فتتآكل القواعدُ ببطءٍ قبل أنْ تظهر الشروخ على الجدران، فإنَّ حركة التاريخ كثيرًا ما تسير على سننٍ مشابهةٍ في صعود الأمم وانكفائها، فالإمبراطوريَّات العُظمَى لا تفنى بالضرورة؛ لأنَّ أعداءها بلغُوا ذروة القوَّة، بل لأنَّها بلغت ذروة الفراغ الرُّوحي والأخلاقي من الداخل. إنَّه الموتُ الصَّامتُ الذي يتخفَّى وراء بريق القوَّة الزَّائف، وصخب الاحتفالات، ومظاهر التَّرف الاستهلاكي. لو عدنا إلى قراءة التاريخ بعينٍ فاحصةٍ، لوجدنا أنَّ اللَّحظة التي
تتمايز الحواضرُ الإنسانيَّة في طريقة تشكُّل هويتها، فبينما تقفُ مدنٌ عند حدود قيمتها العمرانيَّة، أو الصخريَّة، تبرز مدنٌ أُخرى ككيانات صاغها التَّاريخُ من طين الذَّاكرة الإنسانيَّة، وجعلها تنبض بالحياة. وتأتي مدينة جدَّة في مقدِّمة هذه الحواضر التي لا يمكن اختزالها في جغرافيا صامتة، بل هي حالة شعوريَّة متجدِّدة، ألهمت الوجدان الأدبي، حيث اختصر رائدُ التَّجديد حمزة شحاتة كينونتها بوصفها الرُّؤية الحالمة التي لا تفيق، في محاكاة بليغة لمدينة تقف في ذهول إيجابيٍّ دائمٍ أمام بحرها الذي يغسل
الأمم الحكيمة في عهود مضت، كانت تقطع الفيافي والقفار؛ بحثًا عن حكمة تبدِّد حيرتها، فكانت المعرفة عزيزة المنال، تُطلب بالارتحال، وتُصان بالتدبُّر. أمَّا اليوم، فقد انقلب الأمر تمامًا؛ فلم يعد الإنسان المعاصر يشكو شُحَّ المعلومة، بل بات يغرق في سيلها الجارف. لقد تحوَّلنا من كائناتٍ تبحث عن الوعي، إلى مستودعات تُشحن قسرًا بآلاف الصور، والأخبار، والجدالات اليوميَّة التي لا تترك وراءها سوى الرماد الذهني. هذا التراكم البصري والمعرفي، يضعنا أمام سؤال مُلحٍّ: هل كثرة الامتلاء تقود إلى الحكمة، أم أنَّها
عندما نتحدَّث عن التطوُّع، تنصرفُ الأذهانُ -غالبًا- إلى الجهد الميدانيِّ، وسد ثغرة في حاجة الآخرين ماديًّا، أو جسديًّا. لكن في عصرنا الحالي، اتَّسع مفهوم العطاء؛ ليتجاوز الحدود الجغرافيَّة، والمجهود البدني، مُفسحًا المجال لـ»التطوُّع الرقميِّ» كقوَّة ناعمة جبَّارة. الزاوية الغائبة في المشهد هي أنَّ المتطوِّع هو الرَّابح الأكبر؛ فالعطاء استثمارٌ ذكيٌّ في رأسمالنا النفسيِّ والاجتماعيِّ يُعيد صياغة وعينا. يعيش العالم المعاصر حُمَّى الفردانيَّة، حيث يتقوقع الكثيرُون داخل اهتماماتهم الشخصيَّة خلف
لم تعد الحروبُ الجاريةُ في القرن الحادي والعشرين تُخاض لحسم رقعةٍ جغرافيَّةٍ، أو تأمين حدودٍ بريَّةٍ فحسب، بل تحوَّلت -في جوهرها- إلى أدوات سياسيَّة لفرض نمط حُكمٍ عالميٍّ جديدٍ. وخلف غبار المعارك، وأصوات الصَّواريخ في أوكرانيا، والشَّرق الأوسط، والسودان، يدور صراعٌ سياسيٌّ شرسٌ، يصيغ ملامح العقود المقبلة، إنَّه صراعٌ بين مفهومَين: الأحاديَّة القطبيَّة بقيادة الغرب التي تدافع عن نظام قائم على القواعد الليبراليَّة، والتعدُّديَّة القطبيَّة التي تقودها قوى صاعدة، ترى في القوانين الحاليَّة مجرَّد