
ليست المصادفات هي التي تُنتج التحوُّلات الكُبْرى في الشرق الأوسط. وما حدث خلال زيارة وليِّ العهد السعوديِّ، الأميرِ محمد بن سلمان، إلى واشنطن، هو واحدةٌ من تلك اللَّحظات التي تتجاوز رمزيَّة اللقاءات البروتوكوليَّة، إلى إعادة هندسة التوازن الإستراتيجيِّ في المنطقة، وبروز لغةٍ جديدةٍ تتشكَّل تدريجيًّا خارج المعادلة التقليديَّة التي حكمت الشرق الأوسط منذ نصف قرن تقريبًا. ففي اليوم الذي وقف فيه الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب معلنًا بيع مقاتلات F-35 للسعوديَّة، ومنح المملكة صفة "الحليف الإستراتيجي
السعوديَّة غير.. هكذا كانت دائمًا! وهكذا يَظهر صدق المقولة مرَّةً أُخْرى، حين يخص الأمر علاقتها بسوريا الجديدة. ليس هناك أيُّ شيءٍ عادي ومألوف في السياسة السعوديَّة، وحين يريد هذا البلد العربي الرَّائد أنْ يتَّخذ موقفًا حسَّاسًا، فإنَّه لا يُصرِّح كثيرًا.. ولا يتكلَّم كثيرًا.. وإنَّما ثمَّة مستوى من التفكير السياسي الذي يقتنص اللحظة المناسبة لإرسال أقوى رسالةٍ للمعنيِّين؛ بأقوى إخراجٍ ممكنٍ.. وهذا بالتحديد ما حصل فيما يتعلَّق بعقد منتدى الاستثمار السعوديِّ السوريِّ في قلب دمشق.. وفي قلب العاصفة
«رُبَّ ضارةٍ نافعة» كما قالت العرب. وثمَّة دروسٌ تستحق التوقُّف عندها، فيما أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، منذ أيام، بشأن التفاعل الإيجابي مع المبادرة الأمريكيَّة - العربيَّة - التركيَّة التي قضت بانسحاب الجيش السوري من محافظة السويداء، وتسليم الأمن فيها للقوات المحليَّة، لا يمكن فهمها خارج السياق السياسيِّ المعقَّد. كما لا يصحُّ تقييمها من منطلقاتٍ انفعاليَّة أو شعبويَّة؛ لأنَّ ما حصل، ببساطة، كان قرارًا يُعبِّر عن موقع المسؤوليَّة السياديَّة في لحظة ضغطٍ استثنائيٍّ. لقد جاء هذا القرار، رغم
كثيرًا ما تتسلَّلُ مشاعر الإحباط إلى النفوس، وتتراكمُ على القلوب أثقالُها، لا لأن الأمل انطفأ تمامًا، وإنَّما لأنَّ وهجَ اللحظة الراهنة يَطغى -في العادة- على البصيرة، فيحجبُ الرُّؤية عن مقدِّمات أساسيَّة قد يكون استحضارُها كفيلًا بتجديد العزم، وإعادة توجيه البوصلة. وتلك مقدِّماتٌ، إنْ أُخِذت بعين الاعتبار، فإنَّها تصبح وقودًا نفسيًّا وفكريًّا وعمليًّا لا ينضب، يُحفِّز على الحركة المستمرَّة، ويجعل من الإبداع فعلًا يوميًّا؛ لا مناسبةً عابرةً. أُولى هذه الحقائق أنَّ التغيير البشري بطبيعته لا يشبه
تذوبُ القضايا الحقيقيَّةُ في صخبِ وسائل التواصل الاجتماعيِّ، كما يذوبُ الحبرُ في محيطٍ هائجٍ؛ تفقدُ معناها، وتُسلبُ قيمتها، وتُختزلُ في وسمٍ عابرٍ، أو منشورٍ غاضبٍ لا يصمدُ أكثرَ منْ بضعِ ساعاتٍ. ثمَّة حقيقةٌ، لا مفرَّ من إعادة التأكيد عليها، في الواقع السوريِّ، والعربيِّ المعاصر: إنَّ قضايا الأوطان أكبرُ، وأكثرُ تعقيدًا، بكثير من أنْ تُفهمَ في لحظة، أو يُحكم عليها بمنشور، أو تُختزل في وسم. فالأوطان كائناتٌ حيَّةٌ، تتنفس التاريخ، وتخوض معارك السياسة، وتتقلَّب على جمر الاقتصاد، وتتشكَّل في
مع حلول العام الهجريِّ الجديد، يجدُ السوريون أنفسهم على مفترقٍ، يَندرُ أنْ يتكرَّر في تاريخ الأُمم. فها هي سوريا تفتحُ صفحةً بيضاءَ، تُكتب من جديد، لا كتحوُّلٍ في التقويم، بل كبدايةٍ فعليَّةٍ لمرحلةٍ تأسيسيَّةٍ بعد أحد أكثر فصول التاريخ السوري إيلامًا وامتدادًا. لم يعد التاريخ الهجري، في هذا السياق، مجرَّد مرجعيَّةٍ زمنيَّةٍ، وإنَّما أضحى رمزًا لمرحلةٍ شبيهةٍ بالهجرة الأولى: انتقالٌ من الظلم إلى العدل، ومن التشتُّت إلى التأسيس، ومن الشعار إلى الدولة. وهجرةٌ جماعيَّة من زمنِ القهر إلى عهدِ
ثمَّة فكرةٌ يتداولها البعض في أوساطٍ نخبويَّة وشعبيَّة، تُروَّجُ بصيغٍ شعاراتيَّة مُبسَّطة، مفادها أنّ العلاقة المثاليَّة بين الشعب والدولة -في بلدٍ مثل سوريا، وفي ظروفها التاريخيَّة والمعاصرة المعقدة- يجب أنْ تكون علاقةً يُصدرُ فيها «الشعب الأمر»، وتنفِّذ «الدولة الطَّاعة»، وكأنَّنا إزاء مقاولةٍ بيروقراطيَّة، لا كيان سياسي، اجتماعي، سيادي. هذه الفكرة، في جوهرها، تُنذر بخطرٍ فكريٍّ مزدوج: إنَّها أوَّلًا تُفرغ الدولة من مضمونها، بوصفها كيانًا مركَّبًا يمسك بتوازنات الأمن والسيادة والمجتمع
فيما كانت قلوب ملايين السوريين تفيض بمشاعر الأمل والانتماء خلال موسم الحجِّ، وبينما كانت ألسنتهم تلهجُ بالتكبير والدعاء، كان ملحوظًا غيابُ النُّخَب الثقافيَّة التقدُّميَّة والحداثيَّة والعلمانيَّة السوريَّة عن هذا المشهد الوجدانيِّ الجامع، في صمتٍ بدا أكثر صخبًا من الضجيج ذاته. لقد حجَّ هذا العام أكثر من عشرين ألف سوريٍّ، في موسمٍ استثنائيٍّ، شكَّل لحظةً روحيَّةً أضفَت، بدورها، كرامةً رمزيَّةً لسوريين أنهكتهم الحرب، ونكَّلت بوجدانهم سنوات التيه والخذلان. ومعهم، كان ثمة ملايين من السوريين
في قلب المسجد الأموي بدمشق، حيث تلتقي رائحة التاريخ مع نور الصَّلاة، ثمَّة صورةٌ تجمع وزير الخارجيَّة السعودي، ووزير الخارجيَّة السوري وهما يُصلِّيان في محرابٍ واحدٍ. لحظةٌ عابرةٌ في ظاهرها، لكنَّها تحمل معاني عميقة، تمتد من دمشق إلى مكَّة، ومن دمشق إلى كل قلبٍ عربي ومسلم يَرقب هذا المشهد. هنا، في هذا المكان الذي شهد صلاة الأمويين، والفاتحين، والمصلحين، تلتقي اليوم دبلوماسيَّة السياسة بخشوع الصلاة. كأنَّما تقول الصورة: ما يجمعنا في هذا المسجد؛ أعمق من السياسة والمصالح. هنا، يسجد الكل لله وحده،
يعيش السوريون، لحظة سوريا في هذا العالم الكبير والمُعقَّد. هذا ما تُظهرهُ رسالة السفير الأمريكي في تركيا «توم باراك»، هذا الأسبوع، بعد اجتماعه مع الرئيس السوري «أحمد الشرع». علمًا أنَّ السفير هو الآن المسؤول الأمريكي الأوَّل عن الملف السوريِّ. فالسوريون هنا، مرةً أُخْرى، بإزاء عالمٍ يتغيَّر على وقع التحوُّلات الكُبْرى.. وهذه المرة، تقودُ الولايات المتحدة الأمريكيَّة، بزعامة إدارة «ترامب» الحاليَّة، ما يبدو مشهدًا جديدًا، قد يُعيد رسم ملامح النظام الدولي، بعيدًا عن تلك الخرائط القديمة التي حكمت
يُفترض، في المنطق البسيط، أنَّ القُرب من مراكز العلم والمعرفة، وأنَّ الإقامة في عواصم الفكر والأرشيف والجامعات، يُفضي تلقائيًّا إلى قراءةٍ أعمقَ للعالم وتحوُّلاته، وإلى استباق التغيرات لا ملاحقتها. لكن ما حدث في سوريا، خلال الشهور الأخيرة، قلبَ هذه الفرضيَّة رأسًا على عقب، وأعاد صياغة معادلة الوعي المعاصر. ففي إدلب، حيث الغبار والرصاص.. وفي الخنادق التي لا تفتح على شرفات باريس، ولا نوافذ واشنطن.. وُلدَ فهمٌ مختلف للعالم. هناك، بين غارةٍ وغارةٍ، وبين اجتماعَين ميدانيَّين ومؤتمرَين مع زعماء عشائر
أنْ يُسجِّلَ القرآنُ الكريم، بطريقته الخاصَّة، تلك العلاقة (الإستراتيجيَّة) بين هاتين البقعتين من أرض الله الواسعة، قبلَ أربعة عشر قرنًا، فذلك شأنٌ عظيم. ثمة (إيلافٌ)، في تلك العلاقة، لا تكادُ تُحصى معانيه، ولا يستطيع سوى قرآنٌ منزَّلٌ من السماء، أنْ يشير إليه. بحيث يُصبح دورُنا، وتغدو مسؤوليتنا، أنْ (نقرأ) في آفاق هذا اللفظ، ودلالاته، ومستتبعاته العمليَّة المطلوبة، بكل ما في الوسع من شموليَّةٍ تضمَّنها أمرُ القراءة الأوَّل، في مطلعِ التنزيل. وإذ أسهب المفسرون، على مدى التاريخ الإسلامي، في
لا يبدو ثمَّة رجلٌ في العالم المعاصر، يمكن أنْ تتمثَّل فيه مقولة «هيغل» عن مكر التاريخ؛ كما هو الحال مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في تلخيص سريعٍ لرأي الفيلسوف الألماني، يتحدَّث الرجل عمَّا يُسمِّيه «خبث العقل الكلي المسيطر على التاريخ». في آليَّة هذا «الخبث»، يستعين التاريخ بالشخصيَّات التاريخيَّة في سبيل تحقيق أهدافه وخططه ومقاصده، دون أنْ يكون هؤلاء على علم بذلك، وإنَّما الذي يجعل هؤلاء أقوياء؛ هو أنَّ أهدافهم الجزئيَّة ومصالحهم الخاصَّة تحتوي على المحتوى الجوهريِّ الذي يُسمِّيه «إرادة
كلَّما ظهرت مُشكلةٌ في سوريا؛ بسبب التدخلات الخارجيَّة، أوَّلًا وقبل كل شيء، صعدَ (مَوَّال) الحديث عن (الطائفيَّة) لدى بعض الدول التي خسرت بتحرير هذا البلد العربيِّ، والأسوأ من ذلك، لدى بعض مَن يُسمُّون أنفسهم (مثقَّفين سوريِّين)!. تفرض هذه الظاهرة طرح سؤالٍ حاسمٍ جدًّا في حاضر سوريا ومستقبلها، يجب التعامل معه بجديَّة: هل غالبيَّة السوريِّين فعلًا طائفيُّون؟، والسؤال مشروع؛ لأنَّ كثيرين باتوا يُردِّدون هذه المقولة، بغرض إقناع السوريِّين بها. بعضُهم بنيةٍ سيئةٍ كما هو واضح. لكن البعض يُردِّدها،
«في البداية يتجاهلُونك، ثمَّ يَسخرُونَ منك، ثمَّ يُحاربُونَك، ثم تَنتصر»!. قد لا تُعبِّرُ مقولةٌ في التاريخ عن مشاعر السوريِّين، وهم يرون علم ثورتهم، ودولتهم الجديدة، يُرفعُ، رسميًّا، على مقر الأمم المتحدة، ويشاهدُونَ وزير خارجيتهم الشَّاب، يتحدَّث في مجلس الأمن، كما تُعبِّرُ تلك الجملة للمهاتما غاندي. وتلك مقولةٌ رفعها السوريُّون في وجه مَن رفضَ، قبل كل شيء، إصرارهم التاريخيَّ، على عودة سوريا الحضارة إلى قلب العالم، من أطرافه، وإلى متنِ التاريخ، من هوامشه. ولتكتمل مفارقاتُ هذا التاريخ، فقد كان
كثيرًا ما يغرقُ (المثقَّف) في مُقتضيات (نُخبويَّته)؛ لدرجة أنْ يُصبح (غريبًا) عن أهله وناسه. يحصلُ هذا في العديد من الدول. لكنَّه باتَ ظاهرةً تستحقُّ الاهتمام في سوريا كثيرًا بعد التحرير. لا يمكن لعاقلٍ، يبحث عن مصلحة وطنه، أنْ يقف ضد (النَّقد) لناحية المبدأ. فتلك ممارسةٌ تساهمُ، إيجابيًّا، في عمليَّات بناء الأوطان وتنميتها، حين تُؤدَّى بموضوعيَّةٍ وإنصاف. وهما عاملان يقتضيان النَّظر إلى شؤون أوطاننا، في عالمنا العربيِّ بشكلٍ عامٍّ، بنظرةٍ تأخذُ بعين الاعتبار كلَّ التحدِّيات التي تواجهها. وفي
كيف تشيعُ «الأخلاق المدنيَّة» بين غالبيَّة النَّاس في أمريكا؟ وكيف نستفيد من ذلك في سوريا الجديدة؟. هذا ما تعلَّمتهُ من عملي كسائق باص مدرسة في أمريكا، أكثر من أيِّ تجربةٍ أُخْرى!. قد لا يكون مألوفًا حديثُ الكُتَّاب عن تجارب شخصيَّة، لكنَّ أُفق «المدينة» الغرَّاء عوَّدَنا، والقرَّاء، على أنْ يكون مفتوحًا -دومًا- لكتابة شيءٍ ذي معنى. شيءٍ يفتحُ -بدورهِ- أُفقًا، ولو صغيرًا ينفعُ النَّاس، فيستحقُّ أنْ يَمْكُثَ فِي الأَرْضِ. سأشرحُ بعض التفاصيل أدناه، لكنَّ الحديث عن «الأخلاق المدنيَّة
ثمَّة علاقةٌ سورياليَّةٌ بين العناصر في المعادلة، بين غرور القوَّة، وقوَّة الغرور! ففي حين تُعادلُ المتغيِّرات المختلفة بعضها في المعادلات الرياضيَّة، يُغذِّي العنصران أحدهما الآخر في هذه المعادلة، وبحيث تكون النتيجةُ صفريةً بشكلٍ يُؤذي صاحبها، نهاية المطاف، كما لا يؤذيه فعلٌ آخرُ. لا نَصدُرُ في تحليلِنَا لهذه الظاهرة من حرارة العواطف، أو منطلقات التَّفكير الرغائبيِّ، وإنَّما نتحدَّث هنا عن سُننٍ كونيَّةٍ، وقوانينَ اجتماعيَّةٍ تحكم قيام وسقوط الدُّول والحضارات، لا تتخلَّف. ولئن كانت هذه السُّنن
بمزيجٍ من احترام الواقعيَّة، واستمرار الحلم، تمضي سوريا، التي تحرَّرت منذ مئة يوم، على طريق البناء والتَّعمير، ومواجهة التحدِّيات الداخليَّة والخارجيَّة. يحصل ذلك، «بتأنٍّ ولكن بثقة»، وبعيدًا عن الضجيج الذي يملأ فضاءات وسائل التشاكُل الاجتماعيِّ، بكل خَطَلِها وأوهامها الكبيرة. ثمة مشاهدُ ثلاثة تُظهر تلك الحقيقة، رآها السوريُّون خلال الأيام الماضية. داخليًّا، وفي إطار التَّعامل مع الوضع في السويداء، تمضي الأمورُ قُدُمًا، بهدوء، وبغضِّ النَّظر عن (الهمروجات) التي تظهر فيها، وعنها، هنا وهناك.
لا يعلمُ إلَّا اللهُ، والرَّاسخُون في العلم، حجمَ الإحباط الذي أصاب دولًا وجماعاتٍ وأفرادًا، في العالم، وفي الإقليم، بعد صدور قرار مجلس الأمن المتعلِّق بسوريا، بعد اجتماعه بذلك الخصوص، منذ بضعة أيام. فورَ صدور خبر طلب انعقاد الجلسة، انتشرت كالنار في الهشيم، في أجواء الإقليم والعالم، كميَّةُ شماتةٍ وتشفٍّ بائسة لم يسبق لها مثيلٌ في المنطقة حجمًا وموضوعًا. عَلَا ضَحكُ هؤلاء وهم يغنُّون طربًا بأنَّ سوريا المحرَّرة انتهت. وبأنَّ مجلس الأمن سيفرض (الفصل السابع) عليها. وأنَّها ستتعرَّض للوصاية