كتاب
هل مات الشوق... أم تغيَّر شكله؟
تاريخ النشر: 08 أغسطس 2026 23:34 KSA
كم مرَّة أنهينا مكالمةً طويلةً مع شخصٍ نحبُّه، ثمَّ أغلقنا الهاتفَ وشعرنا -رغمَ ذلك- أنَّنا ما زلنا نشتاقُ إليه؟ سؤالٌ كهَذَا لم يكن ليخطر ببالِ أجيالٍ سابقةٍ؛ فقد كان الشوقُ يومًا ثمرةَ الغيابِ، أمَّا اليوم، فقد أصبح يولد أحيانًا في قلبِ الحضورِ نفسه.
لقد اختصرت التقنيةُ المسافاتِ إلى حدٍّ بدا معه العالمُ أصغرَ ممَّا كان عليه في أيِّ وقتٍ مضى. نستطيع أنْ نرَى مَن نحبُّ، وأنْ نسمع أصواتَهم، وأنْ نطمئنَ على أخبارِهم في لحظاتٍ. غير أنَّ شيئًا آخرَ حدث في المقابل، فكلَّما اقتربت المسافاتُ، بدا أنَّ هناك مساحةً خفيَّةً لا تزال بعيدةً، مساحة لا تختصرها الشاشاتُ، ولا تلغيها سرعةُ الاتِّصال.
ربَّما لم يكن الشوقُ في الماضي أكثرَ قوَّة ممَّا هو عليه اليوم، لكنَّه كان أكثر وضوحًا. كان الغيابُ غيابًا كاملًا، وكانت الرسائلُ تُنتظَر، واللقاءات تُعدُّ حدثًا استثنائيًّا، وكانت للأيَّام قدرةٌ على أنْ تنضج فيها المشاعر، كما تنضجُ الثمارُ على مهلٍ. أمَّا الآن، فقد أصبح الغائبُ حاضرًا بالصَّوت والصُّورة، وأصبح الوصولُ إلى النَّاس أسهلَ من أيِّ وقت مضى، لكن الوصول إلى حضورِهم الحقيقيِّ ربَّما أصبحَ أكثرَ صعوبةً.
إنَّ الإنسان لا يشتاق إلى المعلومات عن أحبته، ولا إلى أخبارهم فحسب، وإنما يشتاق إلى ذلك الحضور الذي لا يمكن اختزاله في صورة أو رسالة. يشتاق إلى مجلسٍ يجمعه بهم، وإلى صمتٍ مشترك يفهمه الجميعُ دون شرح، وإلى تفاصيل صغيرة لا تنقلها التقنيةُ مهما بلغت من الدقَّة.
ولهذا قال الشاعرُ:
ربَّاهُ... أشيَاؤه الصُّغْرَى تُعذِّبُنِي
فَكيفَ أنجُو مِن الأشياءِ رَبَّاهُ؟
فالأشياء الصغيرة هي أكثر ما يبقى في الذاكرة، وأكثر ما يستدعي الحنين. كانت جريدة مهملة في ركن الغُرفة، أو كتابًا قرأناه معًا، أو مقعدًا اعتاد صاحبه الجلوس عليه. أمَّا اليوم، فإنَّ الغيابَ يترك وراءَه صورًا ورسائل ومحادثات لا تنتهي، حضورًا رقميًّا يجعل الغائب قريبًا، لكنَّه لا يعيد إلينا دفءَ حضورهِ الحقيقيِّ.
ولعلنا لم نفقد الشَّوق كما نظنُّ، بل فقدنا شيئًا آخرَ؛ فقدنَا ندرةَ اللقاء. فالإنسان لا يشتاقُ فقط لأنّه بعيد، وإنّما لأنَّه يدرك أنَّ اللقاء يحملُ معنًى لا يمكن تعويضه. وحين يصبح التواصلُ دائمًا، قد يتراجع الانتظار، لكن الحاجة إلى اللقاء لا تتراجع.
لذلك فإنَّ السؤال لم يعد: كيف نُلغي المسافات؟ فقد نجح الإنسانُ في ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ. وإنَّما أصبحَ السؤالُ: كيف نستعيدُ معنى الحضور؟ لأنَّ الحضور ليس أنْ أراكَ فحسب، بل أنْ أكونَ معك. وبين العبارتَين مسافةٌ لا تُقَاس بالأميال، ولا بسرعةِ الإنترنت، بل بشيءٍ لا تزال التقنيةُ عاجزةً عن نقله.
لعلَّ الشوق لم يمتْ... لكنَّه أصبح يشتاقُ إلى اللقاءِ نفسه.
لقد اختصرت التقنيةُ المسافاتِ إلى حدٍّ بدا معه العالمُ أصغرَ ممَّا كان عليه في أيِّ وقتٍ مضى. نستطيع أنْ نرَى مَن نحبُّ، وأنْ نسمع أصواتَهم، وأنْ نطمئنَ على أخبارِهم في لحظاتٍ. غير أنَّ شيئًا آخرَ حدث في المقابل، فكلَّما اقتربت المسافاتُ، بدا أنَّ هناك مساحةً خفيَّةً لا تزال بعيدةً، مساحة لا تختصرها الشاشاتُ، ولا تلغيها سرعةُ الاتِّصال.
ربَّما لم يكن الشوقُ في الماضي أكثرَ قوَّة ممَّا هو عليه اليوم، لكنَّه كان أكثر وضوحًا. كان الغيابُ غيابًا كاملًا، وكانت الرسائلُ تُنتظَر، واللقاءات تُعدُّ حدثًا استثنائيًّا، وكانت للأيَّام قدرةٌ على أنْ تنضج فيها المشاعر، كما تنضجُ الثمارُ على مهلٍ. أمَّا الآن، فقد أصبح الغائبُ حاضرًا بالصَّوت والصُّورة، وأصبح الوصولُ إلى النَّاس أسهلَ من أيِّ وقت مضى، لكن الوصول إلى حضورِهم الحقيقيِّ ربَّما أصبحَ أكثرَ صعوبةً.
إنَّ الإنسان لا يشتاق إلى المعلومات عن أحبته، ولا إلى أخبارهم فحسب، وإنما يشتاق إلى ذلك الحضور الذي لا يمكن اختزاله في صورة أو رسالة. يشتاق إلى مجلسٍ يجمعه بهم، وإلى صمتٍ مشترك يفهمه الجميعُ دون شرح، وإلى تفاصيل صغيرة لا تنقلها التقنيةُ مهما بلغت من الدقَّة.
ولهذا قال الشاعرُ:
ربَّاهُ... أشيَاؤه الصُّغْرَى تُعذِّبُنِي
فَكيفَ أنجُو مِن الأشياءِ رَبَّاهُ؟
فالأشياء الصغيرة هي أكثر ما يبقى في الذاكرة، وأكثر ما يستدعي الحنين. كانت جريدة مهملة في ركن الغُرفة، أو كتابًا قرأناه معًا، أو مقعدًا اعتاد صاحبه الجلوس عليه. أمَّا اليوم، فإنَّ الغيابَ يترك وراءَه صورًا ورسائل ومحادثات لا تنتهي، حضورًا رقميًّا يجعل الغائب قريبًا، لكنَّه لا يعيد إلينا دفءَ حضورهِ الحقيقيِّ.
ولعلنا لم نفقد الشَّوق كما نظنُّ، بل فقدنا شيئًا آخرَ؛ فقدنَا ندرةَ اللقاء. فالإنسان لا يشتاقُ فقط لأنّه بعيد، وإنّما لأنَّه يدرك أنَّ اللقاء يحملُ معنًى لا يمكن تعويضه. وحين يصبح التواصلُ دائمًا، قد يتراجع الانتظار، لكن الحاجة إلى اللقاء لا تتراجع.
لذلك فإنَّ السؤال لم يعد: كيف نُلغي المسافات؟ فقد نجح الإنسانُ في ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ. وإنَّما أصبحَ السؤالُ: كيف نستعيدُ معنى الحضور؟ لأنَّ الحضور ليس أنْ أراكَ فحسب، بل أنْ أكونَ معك. وبين العبارتَين مسافةٌ لا تُقَاس بالأميال، ولا بسرعةِ الإنترنت، بل بشيءٍ لا تزال التقنيةُ عاجزةً عن نقله.
لعلَّ الشوق لم يمتْ... لكنَّه أصبح يشتاقُ إلى اللقاءِ نفسه.