كتاب

اتفاق مكة.. أمن المنطقة بأيدي أهلها

قد يُذكر اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، مستقبلًا لا بعدد الدول الثلاث التي أسسته، وإنما بما أطلقه من تحول في مفهوم الأمن الإقليمي؛ من الاعتماد شبه الكامل على القوى الخارجية، إلى بناء قدرة ذاتية مشتركة على الردع والدفاع.
فجوهر الاتفاق واضح: الاعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الجميع. وهو مبدأ يذكّر بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، لكن ذلك لا يجعل اتفاق مكة «ناتو إسلاميًا». فالحلف الأطلسي نشأ في ظروف الحرب الباردة، بقيادة أمريكية، وفي مواجهة خصم محدد. أما اتفاق مكة فيولد في عالم متعدد الأقطاب، تسعى فيه الدول إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، من دون التخلي عن تحالفاتها وشراكاتها الدولية.

وتجمع الدول الثلاث قدرات متكاملة. فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الذي يصل الخليج بالبحر الأحمر والعالم العربي، وتركيا بجيشها الكبير وخبرتها الأطلسية وصناعاتها الدفاعية المتقدمة، وباكستان بجيشها الضخم وخبرتها العسكرية وقدرتها النووية، تشكل معًا قاعدة عسكرية وسياسية يصعب تجاهلها.
لكن قيمة الاتفاق الحقيقية لن تقاس بالنصوص، وإنما بما سيُبنى عليها: تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط المشترك، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، والمناورات المشتركة، والتعاون في المسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية. وهنا ينتقل الاتفاق من إعلان سياسي إلى منظومة ردع حقيقية.

والسؤال التالي هو: من سينضم؟
تبدو مصر، بحكم ثقلها العربي والعسكري وموقعها الاستراتيجي وسيطرتها على قناة السويس، مرشحًا طبيعيًا للتقارب مع المنظومة. غير أن الانتقال من الشراكة والتنسيق إلى العضوية الكاملة قد يكون أكثر تعقيدًا. فبعض الدول العربية المرشحة، ترتبط باتفاقات سلام أو تطبيع وترتيبات سياسية وأمنية مع إسرائيل، وهو ما قد يفرض قيودًا وحسابات إضافية على انضمامها كأعضاء أساسيين في تحالف دفاعي قد تتقاطع التزاماته مستقبلًا مع صراع عربي أو إقليمي تكون إسرائيل طرفًا فيه.
ولهذا قد يكون التوسع في اتفاق مكة متعدد المستويات، بحيث تبقى العضوية الأساسية للدول القادرة على الالتزام الكامل بمبدأ الدفاع المشترك، فيما تشارك دول أخرى ضمن دوائر للشراكة والتنسيق تشمل الأمن البحري والدفاع الجوي والاستخبارات والتدريب والصناعات العسكرية. وبهذه الصيغة يمكن للاتفاق أن يتوسع وظيفيًا وجغرافيًا من دون أن يضع كل دولة شريكة أمام التزامات سياسية أو عسكرية تتعارض مع اتفاقاتها القائمة.
وهنا ينبغي ألا نقيس نجاح اتفاق مكة بعدد الأعلام المرفوعة حول طاولته، بل بمقدار التكامل العسكري والسياسي الذي يتحقق تحت تلك الأعلام.
أما الحديث عن نشوء حلف مضاد، تقوده إيران مثلًا، أو يجمع إسرائيل والهند ودولًا أخرى، فيبقى مبكرًا. فالمنطقة لم تعد منقسمة إلى معسكرين واضحين. إيران نفسها لها علاقات مهمة مع تركيا وباكستان، والسعودية حريصة على الجمع بين الردع والحوار مع طهران. كما أن علاقات الدول الثلاث بإسرائيل والهند تختلف بصورة كبيرة، مما يجعل الاصطفافات الصلبة أقل احتمالًا من شبكة تحالفات وشراكات متداخلة.
والأهم في هذا السياق هو الموقف الأمريكي. فقد رحب الرئيس دونالد ترمب بالاتفاق بوضوح، وكتب على منصة «تروث سوشال»، في 16 أغسطس، أنه «سعيد جدًا» بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان الاتفاق، ووصفه بأنه «خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة».
وهذا الترحيب يحمل دلالة استراتيجية مهمة: واشنطن لا ترى بالضرورة في تنامي القدرة الدفاعية الذاتية لحلفائها تهديدًا لنفوذها. بل قد ترى فيه توزيعًا أفضل لأعباء الأمن، بحيث تتحمل القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن الدفاع عن نفسها، مع استمرار علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن ما يتشكل بعد مكة ليس نظامًا «ما بعد أمريكا»، بقدر ما هو نظام أقل اعتمادًا عليها، وربما بموافقتها أيضًا.
وهذا هو التحول الأهم. فدول المنطقة تريد علاقات قوية مع واشنطن، لكنها لا تريد أن يكون أمنها مرهونًا بالكامل بقرار يأتي من خارجها. وفي الوقت نفسه، تريد الاحتفاظ بعلاقاتها الاقتصادية مع الصين، واتصالاتها السياسية مع روسيا وأوروبا، وبناء شبكات دفاعية فيما بينها.
وللاتفاق بالطبع اختبارات صعبة. ماذا لو اندلعت مواجهة جديدة بين باكستان والهند؟ وهل تشمل مظلة الدفاع المشترك نزاعًا يتعلق بتركيا في سوريا؟ وماذا عن هجمات الميليشيات والطائرات المسيّرة والصواريخ على الأراضي السعودية؟ ومتى يعتبر الهجوم على أحد الأعضاء اعتداءً يستوجب تدخل الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تضعف الاتفاق، وإنما تحدد المرحلة التالية من تطوره. فالحلف الناجح ليس فقط ذلك الذي يخوض أعضاؤه الحرب معًا، بل الذي يساعدهم أيضًا على منع الحروب، وضبط التصعيد، والتشاور قبل الأزمات.
لهذا، فإن السؤال الأهم بعد مكة ليس: من سينضم؟ بل: هل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة أمنية تحميها من دون أن تتحول إلى محور يستفز الآخرين أو يستدعي محورًا مضادًا؟
إذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في ذلك، فقد لا يكون اتفاق مكة مجرد تحالف دفاعي جديد، بل بداية مرحلة يصبح فيها أمن المنطقة، بدرجة أكبر، بأيدي أهلها.
@kbatarfi

أخبار ذات صلة

العجوز المتصابية
الانحياز إلى العزلة
«السديس».. الاعتدال والمسؤولية
(9) أسئلة حول توقف «الرياض» الورقية
;
تنومة.. بين كرم الإنسان وسحر المكان
الجماعة أولاً.. ولو هلكت الأوطان !!
نظامنا التعليمي الجديد.. ومواكبته للتطلعات
الفترة التجريبية !!
;
من السعودية إلى لندن
من أحداث السقوط للنظام الدولي
المصاريف المحمولة.. بين الفشل والنجاح
حين تُقرع الأجراس.. تزدهر الأوطان
;
قـلـــــق
المعرفة قبل الظهور
الإدارة بالإدراك
ذكريات بعد تلاوات..!!