كتاب

في سجن ذهبان

خلال حديثه عن القسم الفنيِّ الذي يعملُ فيه، ذكر عَرَضًا أنَّه بدأ نشاطه فيه منذ فترةٍ قصيرةٍ، بعد عودته من سجون العراق، التي قضى فيها ستة عشر عامًا. وبعد أنْ انتهى من عرضه، وخرج المستمعُونَ، سألتُه: ستة عشر عامًا في سجون الإرهاب.. كيف كانت؟
أجاب باسمًا: «جحيم! واليوم أنا هنا، في سجن الأمنِ السعوديِّ، في جنَّة. جزَى اللهُ خيرًا مَن سعَى حتَّى استعادني إلى الوطن».

نظرتُ إليه متأثِّرًا، ومددتُ يدي مرحِّبًا: هلا بك في بلادك! ثمَّ ضممتُه بحرارة.
كنتُ في جولةٍ رتَّبتها رئاسةُ أمن الدولة لمعالي أمين جدَّة الجديد، إحسان عباس بافقيه، ولي، وللكاتبِ والأستاذِ الجامعيِّ الدكتور عبدالقادر سامي حمبظاظة، في سجن ذهبان. وكانت بالنِّسبة إلينا جولة مليئة بالمفاجآت، والمواقف، والمعلومات الجديدة.

بدأنا من قسم التَّواصل العائليِّ، وفكرتُه أنْ يلتقي النَّزيل بأهله في زيارات دوريَّة، وبزوجتهِ، أو زوجاتهِ إنْ كان معدِّدًا، في جناحٍ خاصٍّ مهيَّأ لذلك. وهناك جناحٌ عرائسيٌّ لحديثي عهد بالزَّواج؛ لقضاء الفترة الأُولى مع الزَّوجة. ويتمُّ ترتيب الزَّواج والاحتفال به داخل السجن، وبحضور الأُسر.
أمَّا مَن لهم أهلٌ في مناطق نائية، أو بلدان أخرى، فتتحمَّل الإدارة تكاليف سفرهم، وإقامتهم، ومصاريف زيارتهم للنُّزلاء، وتعمل على توفير التَّأشيرات لغير السعوديِّين، مع ترتيب أداء العُمرة للمسلمِين.
وفي المناسبات، كالأعراس والعزاء، قد يُسمح للنَّزيل بالخروج، وفقَ احتياطات وضوابط خاصَّة؛ لحضور المناسبة. ويُوفِّر له السجنُ الملابس المناسبة له، بما يحفظ مكانته أمام أهلهِ ومعارفهِ.
تجوَّلنا بين أقسام السجن، فإذا بها تشمل ناديًا للألعاب الرياضيَّة المتنوِّعة، وصالة للياقة البدنيَّة، وباحات مفتوحة للتَّشمُّس، وورشًا فنيَّةً لممارسة الرَّسم والفنون التشكيليَّة، والحِرف اليدويَّة والخياطة. وإلى ذلك، هناك استوديوهات فنيَّة للتصوير والتسجيل الصوتيِّ، ومسرح، وقسم صحافي لإنتاج مجلَّة شهريَّة.
ثمَّ كانت المفاجأة: فرقة موسيقيَّة اسمها «مقامات»، أتحفتنَا بمجموعةٍ من الأغاني التراثيَّة والشعبيَّة بالعود والإيقاع، وأغانٍ أجنبيَّة على آلة الأورغ.
وكان قسمُ النِّساء مميَّزًا بألوانهِ وديكورهِ، وتتولَّى إدارته كوادرُ نسائيَّة متخصِّصة. وفيه عيادةٌ صحيَّةٌ، ومصفِّف للشَّعر، ومغسلة، وغيرها من الاحتياجات الخاصَّة بالنَّزيلات. وقبل زيارة الأهل أو الزَّوج، يمكن للنَّزيلة الحصول على جلسة عنايةٍ وزينةٍ على يد مختصَّة، مع توفير الملابس المناسبة والعطر.
وبالإضافة إلى الغُرف التي تتميَّز بألوانٍ دافئةٍ وتصميمٍ لطيفٍ، خُصِّصت للنَّزيلات مطابخ، ومغاسل، وصالات لممارسة الهوايات، وإعداد بعض الوجبات، وغسل الملابس وكيها، وغير ذلك.
ومن الأقسام التي لم نكنْ نتوقَّعها متجر مصغَّر، يوفِّر احتياجات البقالة المعتادة، يديرُه أحدُ النُّزلاء. شرح لنا أنَّ نظام المشتريات الإلكترونيِّ يسمحُ للنَّزيل بإيداع الأموال في حسابٍ خاصٍّ والشِّراء منه باستخدام البصمة. وتأتي موارده من المخصَّص الماليِّ الذي يُصرَف لأُسرة النَّزيل منذ اليوم الأوَّل، وحتى انتهاء إقامته، وعن طريقهم. ويمكنه استخدام رصيدِه في مرافق أُخْرى، من بينها المقاهي الموجودة في المكتبة، والنادي، إضافة إلى ما يُقدَّم مجانًا من وجباتٍ وخدماتٍ وغسيلٍ ورياضةٍ وأنشطةٍ.
وهنا تجدرُ الإشارة إلى أنَّه، بحسب ما شرح لنا المسؤولُون، إذا تجاوز النَّزيلُ مدة محكوميَّته المحدَّدة قضائيًّا، فإنَّه يُعوَّض ماديًّا وبشكلٍ مُجزٍ عن الأيام الزَّائدة، بما يتناسبُ وما يستحقُّه وفقًا لشهادته العلميَّة وخبراته.
ومن الخدمات المهمَّة الرِّعاية الصحيَّة المتقدِّمة. فمنذ اليوم الأوَّل يُفتح للنَّزيل ملف في مستشفى السِّجن، يتضمَّن الفحوص، والأشعَّة، والتَّحاليل التي تُجرى له عندهم، ثمَّ تستمر المتابعة وفق برنامجٍ صحيٍّ لا يعتمد فقط على انتظار الشكوى، وإنَّما يسعى إلى اكتشاف المشكلات مبكِّرًا، في شتَّى التخصُّصات. وتشمل الإمكانيَّات عمليَّات جراحة اليوم الواحد، وأشعَّة الرنين المغناطيسي، والأشعَّة المقطعيَّة.
ويتعاون المستشفى مع مستشفيات متخصِّصة في المملكة، ويستضيفُ أطبَّاء متخصِّصين، كما يمكن للنَّزيل، عندما تتطلَّب حالته، التواصل عبر الاتِّصال المرئيِّ مع طبيبه المُعالج، في السجون الأُخرى.
كما يوفِّر السجنُ لعددٍ من الجهات الرسميَّة، كالجوازات، والمعنيَّة بحقوق الإنسان، والقنصليَّات الأجنبيَّة، مكاتبَ لأداء أعمالهم بسرعةٍ وفعاليَّةٍ.
ويمتدُّ الاهتمامُ إلى التَّعليم؛ إذ يجري التَّعاون مع عددٍ من الجامعات، والمعاهد لمَن يرغب في مواصلة دراسته. وقد حصل عددٌ من النُّزلاء على شهاداتٍ علميَّةٍ، من الثانوية إلى البكالوريوس، والماجستير، وأُقيمت لهم حفلات تخرُّج احتفاءً بإنجازاتهم، إلى جانب دورات تعليميَّة عن بُعد مع جهاتٍ تعليميَّة معتمدة.
واللَّافت أنَّ أصحاب الخبرة والعلم من النُّزلاء يدرِّسُون ويدرِّبُون زملاءهم. فهناك دروسٌ في الرَّسم، والموسيقى، والخط العربيِّ، والشطرنج، والحِرف اليدويَّة، والألعاب الرياضيَّة. ومن بينهم مَن يمتلكُ خبرةً في الإدارة والأعمال والاستثمار.
أحدُ هؤلاء الناشطين في الإدارة والتجارة، روى لنا كيف سمحت له الإدارةُ باستضافة أهلهِ؛ ليطَّلعُوا على نشاطاته، والمهام التي أُوكلت إليه، وعلى لقاءاته المصوَّرة مع بعض الزوَّار. وقال إنَّه لم يعدْ بحاجة إلى مراجعة القسم النفسيِّ، كما كان من قبل؛ فقد تخلَّص -بحسب وصفه- من الأرقِ والقلقِ اللَّذين كانا ينتابانه. أصبح يومه حافلًا بالنشاط، وحياته مليئةً بالأهداف، ولديه من العمل، وفرص التعلُّم، وخدمة الآخرين ما يشغله عن الهواجس والهموم.
وخلال زيارتنا لإحدى الغُرف، سألتُ النُّزلاء، بعد أنْ لاحظتُ وجود تلفزيونٍ فضائيٍّ يوفِّر عشرات القنوات، عمَّا إذا كانُوا قد شاهدُوا مباريات كأس العالم.
أجابُوا بحماسٍ: بالطَّبع!
قلتُ لهم ضاحكًا: يا بختكُم! أنا لم أشاهدها؛ لأنَّ ما عندي اشتراك!
شرح لي مديرُ السجن أنَّهم حرصُوا على الاشتراك في القنوات الناقلة، وحوَّلوا الصَّالة الرياضيَّة إلى قاعةِ مشاهدةٍ بشاشةٍ كبيرةٍ، كما عدَّلُوا البرنامج اليومي، بما يسمح للنُّزلاء بمتابعة المباريات في أوقاتها المختلفة.
وعدا ذلك، هناك صالاتٌ للتَّرفيه، ومشاهدة الأفلام، ولعب الورق، والشطرنج، وتنس الطاولة. ويُخصَّص لكلِّ نشاط وقت محدَّد خلال اليوم، ضمن برنامج أطلق عليه المسؤولون «إدارة الوقت»، قبل عودة النُّزلاء إلى غرفهم للرَّاحة. كما رُوعي في تصميم بعض المرافق تمكينهم من التعرُّض للهواء الطلق، وأشعَّة الشَّمس.
سألتُ مديرَ السجن: كيف يتمُّ اختيار مَن يسكن سويًا في الغُرف؟
فأجاب، بأنّ لجنة مختصَّة تحدِّد النُّزلاء في كلِّ غرفة وفق اعتبارات متعدِّدة، من بينها اللُّغة، والمستوى التعليمي والثقافي، والتوافق النفسي والفكري، ثمَّ يلتقي الجميعُ في القاعات والأنشطة المختلفة، خلال فترات «إدارة الوقت»، فلا يكون هناك عزلٌ بينهم، ولا عن هواياتهم، واهتماماتهم المتنوِّعة.
والنتيجة، كما شرح لنا المسؤولُون، أنَّ النسبة الغالبة من النُّزلاء لا تعود بعد خروجها إلى السجن، وإنَّما تنخرطُ في المجتمع، وقد امتلكت أدوات أفضل لبدايةٍ جديدةٍ: شهادة علميَّة، أو حِرفة، أو خبرة عمليَّة وحياتيَّة، إلى جانب ما تلقَّته من برامج فكريَّة ونفسيَّة وصحيَّة.
خرجتُ من الزِّيارة وأنا أستعيدُ عبارة الرَّجل الذي قضى ستة عشر عامًا في سجون العراق: «كنتُ في جحيمٍ، وأنَا اليوم في جنَّة».
قد تبدُو العبارة صادمةً إذا قُرئت خارج سياقها، فالسجنُ يظلُّ سجنًا، والحريَّة لا يعوِّضها شيءٌ. لكن ما رأيناه في ذهبان، يوضِّح فلسفة مختلفة: العقوبة لا ينبغِي أنْ تكون نهاية الإنسان، بل فرصة لإعادتهِ إلى الحياة والمجتمع أكثرَ قدرة على أنْ يبدأ من جديد.
وهذه، بالضَّبط، هِي الفكرةُ.

أخبار ذات صلة

هِسْتَر.. أفضل مُسجّل في الجامعات السعودية
«بثوث» مواقع التواصل مكاسب بأرخص الأثمان
اتفاقية مكة تشكيل إستراتيجي جديد
كيف أدارت الرياض «عاصفة اللوجستيات» العالمية؟
;
حين تروي البراكين في المملكة قصتها
السفر.. راحة للنفس وتجديد للحياة
السفر.. راحة للنفس وتجديد للحياة
الخلايا الجذعية والتجربة الأولى في علاج باركنسون
اتفاق مكة.. أمن المنطقة بأيدي أهلها
;
العجوز المتصابية
الانحياز إلى العزلة
«السديس».. الاعتدال والمسؤولية
(9) أسئلة حول توقف «الرياض» الورقية
;
تنومة.. بين كرم الإنسان وسحر المكان
الجماعة أولاً.. ولو هلكت الأوطان !!
نظامنا التعليمي الجديد.. ومواكبته للتطلعات
الفترة التجريبية !!