كتاب

تفويض.. بلا تفويض!

في الإدارة البيروقراطيَّة، تتربَّع جملةُ «أنا أثقُ بكَ تمامًا، ولكَ كاملُ الصلاحيَّات»، على عرش أكثر العبارات رُعبًا وخداعًا في القاموس المؤسسيِّ، إنَّها الجملةُ الافتتاحيَّةُ لفيلم دراميٍّ طويلٍ، بطلُه موظَّف حَسنُ النيَّة ظنَّ لوهلةٍ أنَّه أصبح شريكًا حقيقيًّا في اتِّخاذ القرار، ونهايته الحتميَّة هي الارتطام بصخرة الواقع، المتمثِّلة في التَّفويض الهلاميِّ، ذلك الاختراعُ الإداريُّ العجيبُ الذي يمنحُكَ الحقَّ في تحمُّل كاملِ المسؤوليَّة، بينما يسحبُ منكَ مقدَّمًا أيَّ قدرةٍ فعليَّة على الفعل.
يبدأ فخُّ الصلاحيَّات الوهميَّة في اليوم الأوَّل لتسلُّم المهام، حين يبتسمُ لكَ المديرُ المباشرُ بابتسامةٍ عريضةٍ، ويضع بين يديكَ وثيقةَ تفويضٍ برَّاقة تشهد بأنَّك مفوَّضٌ رسميًّا لإدارة المشروع الجديد، فتشعر للوهلة الأولى بنشوةِ الإنجاز، وتتخيَّل نفسك تقودُ المؤسَّسة نحو آفاق رحبةٍ من النجاح، لكن ما إنْ تحاول اتِّخاذ أوَّل قرار حقيقيٍّ، كشراء جهازٍ مكتبيٍّ بسيط، أو إعادة توزيع مهام طارئة بين الموظَّفين، حتى يرتفع سقف المكاتب، ويخرج لك الجميعُ من كل حدبٍ وصوبٍ بصيحةٍ واحدةٍ «قفْ! أينَ موافقة الإدارة العُليا؟».

هنا تكتشفُ الخدعة الكُبرى، فالصلاحيَّاتُ الممنوحة لك على الورق، تشبهُ تمامًا رخصة القيادة لسيارة بلا محرك، يمكنك أنْ تجلس خلف المقود، وتدير عجلة القيادة يمينًا ويسارًا بكل حماس، وتصدر أصوات المحركات بفمك، لكنَّ السيارة لنْ تتحرك خطوة واحدة ما لم يوافق مالك المفتاح الأصلي، ويبرز بوضوح ما يُعرف إداريًّا بفخِّ التوقيع الثاني والثالث والعشرين، حيث يتطلَّب منك اعتماد مذكرة بسيطة مرورها عبر سبعة مكاتب استشاريَّة، وموافقة قسم الشؤون القانونيَّة، وتأشيرة المراقب الماليِّ، وتوقيع المدير العام الذي يكون في إجازة مفتوحة في جزر المحيط الهادئ.
الهدفُ الخفيُّ من هذه الكوميديا السوداء، هو حماية المديرِين المتخوِّفِين من اتِّخاذ أيِّ قرار، فيستخدمُونَك كممتصِّ صدماتٍ إداريٍّ، فحين ينجح المشروع، يسجِّل المدير هذا الإنجاز الخارق في سجلِّه المهنيِّ، باعتباره المُوجِّه والمُشرف بحكمته المعهودة، وحين يفشل المشروعُ أو يتعثَّر، يخرج عليك وهو يُلوِّح بوثيقةِ التفويض قائلًا بغضبٍ مصطنعٍ: لقد منحتُكَ كاملَ الصلاحيَّاتِ، وأنتَ مَن أفسدَ الأمرَ بسوءِ تصرُّفِكَ!، أنتَ المسؤولُ الوحيدُ عن الفشلِ، وغريبٌ تمامًا عن أيِّ نجاحٍ محتملٍ.

تؤدِّي هذه الثقافة البائسة إلى خلق جيلٍ كاملٍ من الموظَّفِين المُصابِين بـشلل المبادرة، ويتحوَّل الموظَّف البارعُ الذي كان يملك طاقةً هائلةً للتغيير، إلى كائنٍ حَذِرٍ للغاية، يخشى حتى تعديل خطأ مطبعيٍّ في جدول إكسل، دون العودة إلى تسلسلٍ إداريٍّ معقَّدٍ، يشمل نصف المؤسَّسة، ويدرك جيِّدًا أنَّ السلامة الوظيفيَّة في زمن الصلاحيَّات الوهميَّة تكمن في شيءٍ واحدٍ فقط هو ألَّا تفعل شيئًا، وأنْ تكتفي بختم المعاملات بعبارة للاطِّلاع والإحاطة، وهكذا تظلُّ المؤسَّسة تدورُ في مكانها، تملك آلاف الوثائق التي تتحدَّث عن التمكين والإبداع، بينما تفتقر لأبسط درجات الشجاعة الحقيقيَّة في اتِّخاذ القرار، والعنوان هو «تفويضٌ بلا تفويضٍ»!.

أخبار ذات صلة

المربي موسى السليم.. حكاية عطاء في ذاكرة التعليم
ما الذي يجري على الجبهة الإيرانية؟!
نفــــــاق
تسعير المخاطر في السوق السعودي
;
المملكة.. تستعرض تجاربها الناجحة أمام العالم
ملهي بن سلامة (ابن الوطن البار)
السعودية وديناميكية الاستثمار وتبادل المصالح
غراس السنين في ينابيع الوفاء
;
إلى المعلم.. في بداية عام دراسي جديد
بصمة إبداع سعودية.. تستثمر في العقول والقلوب
بين قلق الموت.. ورعب تكرار الحياة
الجامعة الريادية.. عندما تصنع المعرفة فرصًا
;
عبدالله التعزي
أمير الماء
الموظف الحكومي.. وجهان متناقضان!!
المنكوب..!!