كتاب

النجاح وعذاب الروح

ثمَّة أشياء نركضُ إليها طويلًا، وحين نصلُ إليها لا نعرفُ ماذا نفعلُ بها. ربما لأنَّنا، في الطريق إليها، كنَّا نتخيَّل لحظة الوصول أكثر ممَّا تخيَّلنا الحياة بعدها. هكذا يمكن أنْ يحدث مع النجاح.
يبدأ الأمرُ بحلمٍ صغيرٍ، ثمَّ يكبر الحلمُ معنا. نمنحه سنوات من العمر، ونقتطعُ له من راحتنا، ونؤجِّل أشياء كثيرة من أجله. نقول لأنفسنا إنَّنا سنعود إليها عندما نصل. لكنَّنا، حين نصل، نكتشف أنََّ بعض الأشياء التي أجَّلناها لم تعد تنتظرنا.

صديقٌ تغيَّر، بيتٌ لم يعدْ يشبهُ البيتَ الذي غادرناه، أيامٌ مضت ولم نكنْ فيها، وأشياءُ صغيرةٌ كنَّا نظنُّ أنَّها ستبقى إلى الأبد، اختفتْ بهدوءٍ، من دون أنْ تمنحنا فرصةً أخيرةً للوداع.
لا أحدَ يخبرنا بهذا الجانب من النجاح، فالنَّاسُ يرون اللَّحظة التي نصلُ فيها، ولا يرونَ السَّنوات التي اختفت من خلفها، يرونَ البابَ الذي فُتح، ولا يسألُونَ عن الأبواب التي أغلقنَاهَا ونحنُ نعبرُ، وربَّما لهذا يكون النجاح غريبًا أحيانًا؛ لأنَّه يمنح الإنسان شيئًا، ثمَّ يضعه أمام ما فقده في سبيله.

في البداية نفرحُ، ثمَّ نعتاد، ثمَّ نبدأ في البحث عن شيءٍ آخرَ، كأنَّ الإنسان لا يملك القدرة على الإقامةِ طويلًا في اللَّحظة التي انتظرها، ما إنْ يصل إلى قمَّة حتى تظهر له قمَّة أُخرى، وما كان بالأمس حلمًا، يصبح اليوم جزءًا من حياته، ثمَّ يفقد بريقه.
هناك لحظة خفيَّة يحدث فيها شيء ما، لحظة يصبحُ فيها الإنسانُ حارسًا للنَّجاح الذي حققه، يخشى أنْ يتراجع، يخشى أنْ يتغيَّر، يخشى أنْ يقول إنَّه متعب، فالصورة التي صنعها النَّاسُ عنه أصبحت أثقل من أنْ يخلعها، ويصبح عليه أنْ يظلَّ كما عرفه الآخرُونَ، حتَّى لو تغيَّر هو من الدَّاخل، وهنا لا يكون التعبُ في الجسد وحده، هناك تعبٌ آخرُ لا يراهُ أحدٌ، أنْ تعيش طويلًا في المكان الذي كنتَ تحلم به، ثمَّ تشعر بأنَّ شيئًا في داخلك لا يزال يبحث عن مكانه، ليس بالضرورة أنْ يكون فراغًا.
ربَّما هو سؤال، ذلك السؤال الذي يظهر غالبًا في لحظةِ هدوءٍ، عندما ينتهي كلُّ شيء، ويعودُ الإنسانُ إلى غرفته، ويغلقُ هاتفَه، وتخفتُ الأصواتُ من حوله، ماذا كنتُ أريد فعلًا؟ هل كنتُ أريدُ هذا كله؟، أم كنتُ أريدُ الشعور الذي تخيَّلت أنَّ هذا كله سيمنحني إيَّاه؟.
قد يصل الإنسانُ إلى المكان الذي اعتقد أنَّ الراحة تنتظره فيه، ثمَّ يكتشفُ أنَّ الراحة لم تكن هناك أصلًا، كانت في مكانٍ آخرَ، في وقت كان يملكه، ولم يعرف قيمته، في شخصٍ كانَ قريبًا منه، ولم ينتبه، في صباحٍ عاديِّ لم يكن يحمل شيئًا سوى هدوئه، في حياةٍ لم تكن تحتاج إلى أنْ يثبت فيها شيئًا لأحد.
لهذا ربَّما لا يكون السؤال عن النجاح: كم حققت؟، فالأرقام تنتهي، والمناصب تتغيَّر، والتصفيق يخفتُ، وحتَّى الأشياء التي ظننا أنَّها ستبقى طويلًا تتغيَّر. السؤال الأعمق هو: ماذا حدث للإنسان الذي كان يحلمُ بكل ذلك؟ هل لا يزال هناك؟ أم أنَّ الطريق أخذ منه أكثرَ ممَّا أعطاه؟ لا أظنُّ أنَّ علينا أنْ نختار بين النجاح والحياة.
المشكلة ليست في أنْ نصل، المشكلة أنْ نصل متأخرين إلى أنفسنا، أنْ نقضي العمر في بناء حياة يستطيع الآخرون الإعجاب بها، ثم نكتشف أننا لا نعرف كيف نعيش داخلها، وربَّما يكون أجمل ما يمكن أنْ يحدث للإنسان، بعد كل هذا الركض، أنْ يقف قليلًا، لا ليعود إلى الوراء، ولا ليتخلَّى عن أحلامه، بل لينظر إلى الطَّريق، ويسأل نفسه بهدوءٍ: حين أصل... هل سأكونُ هناك؟

أخبار ذات صلة

فتوق.. ورتوق!!
هيئة فنون العمارة والتصميم.. مسيرة رائدة
الجامعة الإسلامية.. جسر السعودية إلى العالم
«حوار الأمن والتاريخ».. «الداخلية» تصنع جسور الوعي
;
العسل.. وكلّه «أصلي»!!
ماذا أردد كل صباح..؟!
المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز.. نحو أيقونة للطب والتعليم
الاختناقات المرورية في جدة.. «الرياض» أنموذجًا
;
لا سينما عظيمة بلا خيال
تطوير أم نثيلة.. حين يحمي المشروع المكان
أمواج البحر.. طاقة تتحرك أمام أعيننا
الدورة الهرمونية للمرأة.. بيولوجية بحتة
;
الحوثي يختبر حدود الصبر السعودي
النهاية المفاجئة
للكلمة مجلس.. وللحوار أفق
ما بعد كوفيد