ناسا وهارفارد والسرطان وهواجس الابتعاث

ناسا وهارفارد والسرطان وهواجس الابتعاث
لا يكاد يمر علينا يوم دون أن يتصدر أخبار (أوّلنا) حديثٌ فاخرٌ عن طلاب تفوقوا بفضل جهودهم الجبارة في الوصول إلى قمة العلم باختراع جهاز فريد من نوعه، أو الكشف عن دواء للأمراض المستعصية. و(أوّلنا) هو تعبير شائع يسبق هذه الأخبار المزلزلة، ألا وهو: «أول سعودي يفعل كذا، وأول سعودية تفعل كذا، وعادة ما تلحقه شبه الجملة: في العالم العربي، أو في الشرق الأوسط، وأحيانا في العالم». الآن وقد أتيحت لأبنائنا فرصة الدراسة في أرض الخواجات المستنيرين، فقد تفتقت قرائحهم واستفادوا كامل الاستفادة من دراستهم سنة أولى بكالوريوس، فسبقوا أقرانهم وربما أساتذتهم باختراعات جبارة ترددها وسائل التواصل الاجتماعي بفخر كبير، فتستقي منهم الصحف المحلية وبعض القنوات الفضائية تلك الأخبار لتستضيف أصحاب الإنجازات العلمية المبهرة على برامجها لنفخر بهم جميعًا على مستوى البلاد.في الآونة الأخيرة كثرت تلك الأخبار بشكل أضحى لافتًا، وبدت الإنجازات المُستسْهَـلة وكأنها «موضة» يتبعها بعض الطلاب مما حفـّز غيرهم لتتبع صحة الأخبار والكشف عن خباياها. آخر حدث من هذا النوع وقع في اليومين الماضيين حيث تسرب من حساب المبتعث عامر عسيري شائعة تكريمه من مدينة أمستردام بنشر صوره في شوارعها لاكتشافه علاجًا لمرض السل. وطار الناس والصحف بالعجة دون تمحيص، لكن التساؤلات كثرت من حول الخبر وجرى التحادث مع الطالب، وحتى مع الملحق السعودي في هولندا، ليتبين أن الخبر مبالغ به حد الكذب.عادت الصحف الرسمية إلى الاعتذار عن نشر الخبر المكذوب بعد أن ظهر المبتعث على برنامج تلفزيوني حيث صرّح بأنه ليس دكتورًا بعد كما عرّف بنفسه على صفحته بتويتر، بل طالب وباحث ضمن فريق يقومون بإجراء تجارب لبحث لم يُنشر بعد. أما الملحقية وفتاة اسمها عهود فقد أوضحا بعد التواصل مع البلدية بأن صورة العسيري ظهرت في الشوارع ليس تكريمًا له بتحقيق أي انجاز علمي، بل كاختيار عشوائي لمجموعة من الأجانب الذي يعيشون في أمستردام، لأن البلدية تدشن حملة للتعريف بالتنوع الثقافي في المدينة وقامت بنشر 180 صورة لأجنبي يعيش فيها، ورقم العسيري كان 180 تبعًا للترتيب الأبجدي لاسم بلاده.العسيري لم يكن الأول بالطبع، فقد هللنا وكبرنا لغيره من المبالغين مثل يوسف الهوساوي قاهر ثلاثة أنواع من السرطان، الذي قيل أنه نال جائزة أفضل باحث على مستوى أوروبا، ثم عاد ليعتذر رسميًا عن مبالغات الخبر حين تمت مراسلة مشرف البحث البريطاني، والمبتعث عبدالجبار الحمود، الذي يتم تقديمه في فيديو دعائي على اليوتيوب بأنه «بالغ الثراء (بعلمه)، إلى حد تفوق ثروته ما يمكن امتلاكه في الكرة الأرضية»، فقد راج عنه أن وكالة ناسا العالمية أطلقت اسمه على كوكب جديد تكريما لتحقيقه المركز الأول في بحوث علوم النبات، كما حصل على جائزة نوبل العالمية، فإذا بالكوكب يتقلص إلى كويكب، ثم إلى نجمة تباع وتشترى، وكلنا يعرف الفرق بين الكواكب والنجوم، وإذا بالمبتعث ما زال في السنة التحضيرية بجامعة بوسطن، وإذا بناسا لا تعرفه، وإذا بنوبل فقاعة.الأمثلة لا حصر لها، كل يوم مبتعث جديد يطلب منا الحماس والتشجيع والفخر بدافع الوطنية، وكلنا نتمنى ولو لمرة واحدة أن نسمع أخبار ترفع رؤوسنا بأبنائنا من مصادرها الأساسية وليس من أفواههم وأقلامهم الشخصية، دعوا العالم يتحدث عنكم يا عظماء العلم. لماذا يتصرف المبتعثون هكذا؟ لماذا يضخمون نجاحاتهم الصغيرة ليقنعوننا أنها إنجازات علمية هائلة؟ هل هناك نموذج سابق نجح وتفوق في مسيرة الترويج للذات وارتفع شأنه عاليًا بناء على أقواله الخاصة فقط؟ هل يسيرون بثقة على تلك الخطى؟.

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
;
تحت مظلَّة السعودة
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
;
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة