كتاب

«آلة الفوضى».. أفيون الشعوب..!!

.. منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، جعلتنا -من حيث شئنا أمْ لم نشأ- أمام مجموعة من الأخطار والتحدِّيات؛ بما تحدثه فينا من تأثيرات.. وأخطر هذه التأثيرات هي جهلنا بها، وبمصادرها، وإستراتيجيَّاتها.

أنَا لا أتحدَّثُ عن الاستخدامات السطحيَّة والعفويَّة، فهذه تظلُّ في مستوياتها الدُّنيا، حتَّى وإنْ كانت -أحيانًا- مزعجةً ومُقرفةً.


ولكنْ عن تلك التَّأثيرات الأخطر، من خلال ما تملكه هذه المنصَّات من قوَّة معرفيَّة اكتسبتها -كما يُقال- من تجميع كميَّات هائلة من البيانات عن المستخدمِينَ، وتحويلها إلى معرفة، إضافة إلى تبنِّيها النَّهج الخوارزميَّ المتدرِّجَ والخفيَّ، في خلق التوجُّهات، وبث خطاب الكراهية، ونشر المعلومات المظلِّلة، والأفكار المتطرِّفة، وصولًا -ربَّما- إلى ما هو أبعد وأخطر ممَّا نتخيَّل..!

*****


.. الباحثُ الأمريكيُّ ماكس فيشر، وصف هذه المنصَّات بـ(آلة الفوضَى) في كتابٍ يحملُ نفسَ الاسمِ، وأوردَ أحداثَ سريلانكا، ومانيمار، أُنموذجًا للتَّأثيرات الخطيرة، التي أحدثتها هذه المنصَّات، من خلال إثارة الكراهية، وصولًا إلى الإبادة الجماعيَّة..

وأشار إلى مسألةٍ هامَّةٍ جدًّا، وهي أنَّ هذه المنصَّات ترتكز كثيرًا على التحوُّل الثقافيِّ نحو عالمٍ يتمُّ فيه استقطاب النَّاس، ليس بناءً على المعتقدات القائمة على الحقائق، ولكن اعتمادًا على المعلومات المظلِّلة، وإثارة الغضب والخوف..!

*****

.. وما يهمُّنِي هنَا هو منطقتنَا العربيَّة..

قديمًا كنَّا نتغنَّى بالهويَّة العربيَّة، و(الأُخوة) و(الأشقَّاء)، ووحدة المصيرِ، والعملِ العربيِّ المشترك، وكانَ لدينا حسٌّ عروبيٌّ -حتَّى وإنْ كانَ نسبيًّا- بروابطِ الدِّين، واللُّغة، والتَّاريخ، والجغرافيَا.

اليوم تأمَّلُوا (الحالَ العربيَّ)، وهُو يقعُ تحتَ مقصلةِ هذه المنصَّات..

أصبح عالمنا العربي يموج بخطابات الكراهية، والتخوين، والاستعداء، والحملات الممنهجة ضد الدول والشعوب.. والأمر لم يعد مجرد تثوير الشعوب ضد الأنظمة، ولكن تجاوزه إلى محاولة نخر المجتمعات العربية من الداخل، فأصبحت حالة العداء والكراهية بين الشعوب العربية نفسها، بل وحتى داخل الشعب الواحد.

نعرفُ أيدلوجيَّات الإخوان، ومكامن الحسابات الوهميَّة، لكن يبدُو أنَّ هناك ما هو أبعد وأخطر من ذلك، وما قضايَانَا وصراعاتنَا الطائفيَّة والمذهبيَّة سوى مطايَا على المسار..!

*****

.. وفي هذَا السِّياقِ، فإنَّ عنوانَ فيشر «آلة الفوضَى»، أو «ماكينة الفوضَى» -كمَا تُسمَّى- قد لا يخرجنَا من إيحاءات مصطلح «الفوضَى الخلَّاقة»، التي بشَّرت بها كونداليزا رايس وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة السَّابقة، وما تلاها من ثورات الرَّبيع العربيِّ، وما خلفها من مخطط الشَّرق الأوسط الجديد.

فماذا يجرِي داخلَ الغرفِ المظلمةِ لهذه المنصَّات، أو لسواهَا...؟!

*****

.. أخيرًا.. نتذكَّر مقولةَ كارل ماركس الشَّهيرة: «الدِّينُ أفيونُ الشُّعوبِ»، ولعلَّ (السوشيال ميديا) هِي أفيونُ الشُّعوب في هذَا العصرِ...!

أخبار ذات صلة

المكياج وسياحة جدَّة!!
ولد (الفيفا)..!
رسالتي إلى أمين جدة الجديد (2/2)
نقلة حضارية.. في التعليم السعودي
;
(الله لَطيف بعباده)
الأفران التاريخية في الطائف
حين يتحوَّل العقل إلى ثروة.. تبدأ الأمم رحلتها الحقيقية
الخلايا الجذعية.. حين يصبح العلم ذاكرةً للمستقبل
;
“قوتنا الناعمة”.. الإعلام السعودي استثمار وطني وعالمي
تهريج..!!
مَن يطلقها من عقالها..؟!
هيئة الحكومة الرقمية.. تحدي الوقت
;
الطاقة التي تصنع النفوذ
من ساحة الإبداع.. إلى القفز على المسلمات
عندما يخفق المنتخب!!
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني