كتاب
في تحرير العلاقة بين الشعب السوري.. ودولته
تاريخ النشر: 21 يونيو 2025 22:48 KSA
ثمَّة فكرةٌ يتداولها البعض في أوساطٍ نخبويَّة وشعبيَّة، تُروَّجُ بصيغٍ شعاراتيَّة مُبسَّطة، مفادها أنّ العلاقة المثاليَّة بين الشعب والدولة -في بلدٍ مثل سوريا، وفي ظروفها التاريخيَّة والمعاصرة المعقدة- يجب أنْ تكون علاقةً يُصدرُ فيها «الشعب الأمر»، وتنفِّذ «الدولة الطَّاعة»، وكأنَّنا إزاء مقاولةٍ بيروقراطيَّة، لا كيان سياسي، اجتماعي، سيادي.
هذه الفكرة، في جوهرها، تُنذر بخطرٍ فكريٍّ مزدوج: إنَّها أوَّلًا تُفرغ الدولة من مضمونها، بوصفها كيانًا مركَّبًا يمسك بتوازنات الأمن والسيادة والمجتمع والسياسة، وثانيًا تُحوِّلُ الشعب من مصدر شرعيَّةٍ ومسؤوليَّةٍ إلى سلطةٍ جماهيريَّةٍ لا تُسائل ذاتها، بل تكتفي بإملاء «رغباتها» -أيًّا كانت- دون اعتبار لمتطلَّبات التخطيط والحوكمة والواقع العالمي.
ما يُغفل في هذا التصوُّر، أو يُغَيَّب عمدًا لدى البعض، هو أنَّ الدولة لا تعمل في فراغٍ طوباويٍّ، وإنَّما ضمن منظومةٍ معقَّدةٍ من التناقضات: بين ضرورات العدالة ومتطلَّبات الأمن، بين الحقوق العامَّة والتوازنات الإقليميَّة، بين السيادة الوطنيَّة وشبكة العلاقات الدوليَّة، بين أمل الثورة، ومخلَّفات الخراب، بين الإرادة الشعبيَّة والرُّؤية الإستراتيجيَّة الطويلة المدى.
واللافت المفارِق في هذا السِّياق، أنَّ أولئك الذين يُروِّجون لفكرة «طاعة الدولة لأوامر الشعب» ضمن إطارها الرومانسيِّ -وكأنَّنا في مسرحيَّةٍ حالمةٍ- هم أنفسهم أوَّل مَن سيقفون في وجه الدولة، ويصرخون مجدَّدًا بالاتِّهام والتَّجريح والتَّنديد، حين تبدأ النتائج الكارثيَّة في الظهور: إشكالات سياسيَّة خانقة، فوضى أمنيَّة مهدِّدة، أزمات اقتصاديَّة طاحنة، وانهيارات اجتماعيَّة حتميَّة، كلها نتيجة مباشرة للاستجابة اللامسؤولة لتلك المطالبات غير المدروسة. وكأنَّهم يريدون من الدولة أنْ تكون طيِّعة كخادمةٍ في لحظات الغضب، ثم كبش فداء عند انفجار الأزمات!.
إنَّ الدولة الحقيقيَّة، التي يُرادُ لها أنْ تُبنى في سوريا الجديدة، لا يمكن أنْ تكون محضَ كائنٍ يتلقَّى الأوامر ويُنفِّذ، وإنَّما يجب أنْ تكون طرفًا فاعلًا في العقد الاجتماعيِّ، لا تابعًا فيه، ولا متسيِّدًا له، بل شريك مدرك لدقائق الواقع السياسيِّ والاجتماعيِّ، ولمحدوديَّة الموارد، ولحساسيَّة التوقيتات، ولبنيَّة المجتمع الممزَّق، وللأفخاخ الكثيرة في الداخل والخارج. أمَّا تلك الخطابات التي تستخفُّ بما يُسمَّى «طريقة تفكير الدولة»، وتُشيطن أدواتها، وتروِّج لوهم «الاستجابة الفوريَّة لمطالب الناس» كمعيارٍ وحيدٍ للشرعيَّة، فإنَّها -وإنْ لبست ثوب الشعبويَّة- تُمهِّد في الحقيقة لخلق دولةٍ فاشلةٍ، إمَّا خانعة أمام الشعبويَّة، أو مستبدَّة باسم الأمن، أو ممزَّقة لا تعرف من أين تبدأ، ولا إلى أين تنتهي.
وما يُفاقمُ الخطر، هو استغلال العواطف الصادقة والمحقَّة للنَّاس -وهي عواطف مُقدَّرة ومفهومة- في توظيفها كأداةٍ لتخويف كلِّ مَن يطرح صوتًا عقلانيًّا، أو يطلب مقاربةَ وعيٍ وتحليل. فبينما قد تُجدي هذه الأساليب مع جمهور الباحثين عن اللايكات، والتصفيق السريع في مواقع التواصل الاجتماعيِّ، غير أنَّها لا يجب أنْ تكون، بأيِّ حال، عنصرًا في صناعة السياسات العامَّة للدولة؛ لأنَّ الدولة التي تصنع سياساتها تحت ضغط العاطفة وحدها، دون سندٍ من الحكمة والتخطيط والمعرفة، هي دولةٌ تسير بأقدامها نحو الفوضى، مهما كانت نواياها.
إنَّ سوريا التي تحرَّرت -ولازالت تتحرَّر- لا تحتاج إلى شعاراتٍ انفعاليَّة، وإنَّما إلى وعيٍ إستراتيجيٍّ يُدرك أنَّ بناء الدولة ليس مرآةً لهتافات الساحات، وإنَّما هو مسارٌ مركَّبٌ من السياسات المتداخلة، والمصالح المتشابكة، والقرارات المؤلمة أحيانًا، والتي لا تُفهم إلَّا إذا فهمنا كيف يُفكِّر رجل الدولة، وكيف تُفكِّر الدولة.
وباختصار: لا دولة بدون شعب، نعم. ولكن لا شعب ينهض من الركام بدون دولة تفكر بعمق وتخطط بحكمة، ولا تتصرَّف كشرطيِّ سيرٍ أمام مظاهرة غاضبة.
والعلاقة بين الشعب والدولة أكبرُ وأكثرُ تعقيدًا بكثير من اختزالها في الأمر والطاعة، وإنَّما هي عَقدٌ طويلُ النَّفَس من الجانبين، وممارسةٌ متبادلة للمسؤوليَّة، وفهمٌ ناضجٌ لمعنى أنْ نبني معًا وطنًا من رمادٍ.
هذه الفكرة، في جوهرها، تُنذر بخطرٍ فكريٍّ مزدوج: إنَّها أوَّلًا تُفرغ الدولة من مضمونها، بوصفها كيانًا مركَّبًا يمسك بتوازنات الأمن والسيادة والمجتمع والسياسة، وثانيًا تُحوِّلُ الشعب من مصدر شرعيَّةٍ ومسؤوليَّةٍ إلى سلطةٍ جماهيريَّةٍ لا تُسائل ذاتها، بل تكتفي بإملاء «رغباتها» -أيًّا كانت- دون اعتبار لمتطلَّبات التخطيط والحوكمة والواقع العالمي.
ما يُغفل في هذا التصوُّر، أو يُغَيَّب عمدًا لدى البعض، هو أنَّ الدولة لا تعمل في فراغٍ طوباويٍّ، وإنَّما ضمن منظومةٍ معقَّدةٍ من التناقضات: بين ضرورات العدالة ومتطلَّبات الأمن، بين الحقوق العامَّة والتوازنات الإقليميَّة، بين السيادة الوطنيَّة وشبكة العلاقات الدوليَّة، بين أمل الثورة، ومخلَّفات الخراب، بين الإرادة الشعبيَّة والرُّؤية الإستراتيجيَّة الطويلة المدى.
واللافت المفارِق في هذا السِّياق، أنَّ أولئك الذين يُروِّجون لفكرة «طاعة الدولة لأوامر الشعب» ضمن إطارها الرومانسيِّ -وكأنَّنا في مسرحيَّةٍ حالمةٍ- هم أنفسهم أوَّل مَن سيقفون في وجه الدولة، ويصرخون مجدَّدًا بالاتِّهام والتَّجريح والتَّنديد، حين تبدأ النتائج الكارثيَّة في الظهور: إشكالات سياسيَّة خانقة، فوضى أمنيَّة مهدِّدة، أزمات اقتصاديَّة طاحنة، وانهيارات اجتماعيَّة حتميَّة، كلها نتيجة مباشرة للاستجابة اللامسؤولة لتلك المطالبات غير المدروسة. وكأنَّهم يريدون من الدولة أنْ تكون طيِّعة كخادمةٍ في لحظات الغضب، ثم كبش فداء عند انفجار الأزمات!.
إنَّ الدولة الحقيقيَّة، التي يُرادُ لها أنْ تُبنى في سوريا الجديدة، لا يمكن أنْ تكون محضَ كائنٍ يتلقَّى الأوامر ويُنفِّذ، وإنَّما يجب أنْ تكون طرفًا فاعلًا في العقد الاجتماعيِّ، لا تابعًا فيه، ولا متسيِّدًا له، بل شريك مدرك لدقائق الواقع السياسيِّ والاجتماعيِّ، ولمحدوديَّة الموارد، ولحساسيَّة التوقيتات، ولبنيَّة المجتمع الممزَّق، وللأفخاخ الكثيرة في الداخل والخارج. أمَّا تلك الخطابات التي تستخفُّ بما يُسمَّى «طريقة تفكير الدولة»، وتُشيطن أدواتها، وتروِّج لوهم «الاستجابة الفوريَّة لمطالب الناس» كمعيارٍ وحيدٍ للشرعيَّة، فإنَّها -وإنْ لبست ثوب الشعبويَّة- تُمهِّد في الحقيقة لخلق دولةٍ فاشلةٍ، إمَّا خانعة أمام الشعبويَّة، أو مستبدَّة باسم الأمن، أو ممزَّقة لا تعرف من أين تبدأ، ولا إلى أين تنتهي.
وما يُفاقمُ الخطر، هو استغلال العواطف الصادقة والمحقَّة للنَّاس -وهي عواطف مُقدَّرة ومفهومة- في توظيفها كأداةٍ لتخويف كلِّ مَن يطرح صوتًا عقلانيًّا، أو يطلب مقاربةَ وعيٍ وتحليل. فبينما قد تُجدي هذه الأساليب مع جمهور الباحثين عن اللايكات، والتصفيق السريع في مواقع التواصل الاجتماعيِّ، غير أنَّها لا يجب أنْ تكون، بأيِّ حال، عنصرًا في صناعة السياسات العامَّة للدولة؛ لأنَّ الدولة التي تصنع سياساتها تحت ضغط العاطفة وحدها، دون سندٍ من الحكمة والتخطيط والمعرفة، هي دولةٌ تسير بأقدامها نحو الفوضى، مهما كانت نواياها.
إنَّ سوريا التي تحرَّرت -ولازالت تتحرَّر- لا تحتاج إلى شعاراتٍ انفعاليَّة، وإنَّما إلى وعيٍ إستراتيجيٍّ يُدرك أنَّ بناء الدولة ليس مرآةً لهتافات الساحات، وإنَّما هو مسارٌ مركَّبٌ من السياسات المتداخلة، والمصالح المتشابكة، والقرارات المؤلمة أحيانًا، والتي لا تُفهم إلَّا إذا فهمنا كيف يُفكِّر رجل الدولة، وكيف تُفكِّر الدولة.
وباختصار: لا دولة بدون شعب، نعم. ولكن لا شعب ينهض من الركام بدون دولة تفكر بعمق وتخطط بحكمة، ولا تتصرَّف كشرطيِّ سيرٍ أمام مظاهرة غاضبة.
والعلاقة بين الشعب والدولة أكبرُ وأكثرُ تعقيدًا بكثير من اختزالها في الأمر والطاعة، وإنَّما هي عَقدٌ طويلُ النَّفَس من الجانبين، وممارسةٌ متبادلة للمسؤوليَّة، وفهمٌ ناضجٌ لمعنى أنْ نبني معًا وطنًا من رمادٍ.