كتاب
{كَتَبَ ٱللهُ}
تاريخ النشر: 09 ديسمبر 2025 23:27 KSA
قد يستوقف الإنسان -أحيانًا- نص من آي الذِّكر الحكيم، فينفذ إلى أعماق فكره، وكأنَّه يتلقَّاه للمرة الأولى، وقد يقود حُسن تهيئة النَّفس والانتباه في لحظةٍ ما، إلى تحقيق حسن تلقِّي واستيعاب المعنى كما لم يحدث من قبل.
{كَتَبَ اللهُ}!! ما ذلك الأمر العظيم، الذي كتبَهُ الله -عزَّ وجلَّ-؟
إنْ تمعَّنَّا في {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، نجد أنَّ الآية تستهل بإخبارنا أنَّ اللهَ -جلَّ جلالُهُ- قد {كَتَبَ} حقيقةً كونيَّةً بأنَّ تكون له ولرسلِهِ الغَلَبَة، وبصيغة القَسَم والتَّأكيد {لَأَغْلِبَنَّ}، ويتكرَّر التَّأكيد على ذلك باختتام الآية بصفتَي «القوَّة والعزَّة»، فهو سبحانه القويُّ الذي لا يُقهَر، العزيزُ الذي لا يُغلَب، فلا مجال للشكِّ أو التردُّدِ أمام حقيقة لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر.
الغَلَبَة في هذا السياق نوعان:
الأُولَى غلبة الحُجَّة والبُرهان، وهي ثابتة منذ بزوغ فجر الرِّسالات، و{إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} دومًا. والثَّانية غلبة التَّمكين والنَّصر، وقد تُؤجَّل؛ بسبب تضييع أحد شروط الجنديَّة لله، أو لحكمةٍ إلهيَّةٍ أُخْرى قد لا ندركها، لكن غَلَبَة الحقِّ في نهاية المطاف حتميَّةُ الوقوع، وفي الوقت الذي يقدِّرُه اللهُ، إذ لا يتخلَّف وعدُهُ أبدًا.
هذه السُّنَّة الربَّانيَّة الثَّابتة، تجدِّد في النُّفوس يقينًا بأنَّ الانتصار ليس أمنيةً عابرةً، بل وعدٌ إلهيٌّ نافذٌ لا يحول دونه شيء. وعلى امتداد التاريخ، تتجلَّى مشاهد الصُّمود ثمَّ التَّمكين، في سير الأنبياء والرُّسل، وفي مسير أتباعهم من بعدهم؛ ليتشبَّث المؤمنُونَ دومًا بما {كَتَبَ اللهُ}. فقد قضى نوحٌ -عليهِ السَّلامُ- قرونًا يدعو قومه، وسط الإعراض والاستهزاء، حتَّى جاء أمرُ الله فأغرق المكذِّبِين، وأنجى المؤمنِين. كما واجه إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- جورَ قومه، وأُلقي في النَّار، فجعلها الله بردًا وسلامًا عليهِ؛ ليكون ذلك تجسيدًا عمليًّا لما {كَتَبَ اللهُ}.
وفي سيرة المصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، مر الإسلام في مكة بمرحلة من الابتلاء، لكن فجر النصر لاح من بدر، ثم تعاقبت الفتوحات، حتى دخل النَّاس في دين الله أفواجًا، وتوالت انتصارات المسلمِينَ عبر التاريخ في فتح الأندلس، ومعركة عين جالوت، التي أوقفت زحف المغول، ثمَّ مع صلاح الدين الأيوبي، الذي استعاد القُدس، وثبات أهل فلسطين، وانتشار الإسلام في الآفاق، رغم حملات التَّشويه، والتَّزييف، وتآمر قوى الباطل، في تجلٍّ واضحٍ لما {كَتَبَ اللهُ}.
ولا يقتصر الأمر على ميادين القتال، بل يشمل ميادين الفكر والإعلام، إذْ يظلُّ الحقُّ صامدًا بالحجَّة والمنطق في وجه ضجيج الباطل، ويتمسَّك المؤمنُونَ بقيمهم الأخلاقيَّة؛ سبيلًا للغَلَبَة الحقيقيَّة في مواجهة التحدِّيات القيميَّة، كما أنَّ الأمر يمتدُّ ليشمل الميادين الاقتصاديَّة والسياسيَّة، فإنَّ الظلم لا يدوم، ويظلُّ العدلُ هو أساس الاستقرار والتَّمكين. كما لا يقتصر أمر هذا القانون الرَّبانيِّ على الجماعات والأمم، بل على الفرد المُؤمن، بصفته مسؤولًا عن التمسُّك بالحقِّ في ذاته، وأسرته، ومجتمعه، أنْ يستند على يقين بما {كَتَبَ اللهُ}، فالغَلَبَة للحقِّ وأهلِهِ.
النَّاس أقوياء بما أعطاهم الله، لكنَّ اللهَ قويٌّ بذاته -جلَّ جلالُهُ-. لقد جادل الكثير في محاولةٍ لفهم حركة التاريخ الإنسانيِّ، فذهب ماركس إلى أنَّها صراعٌ بين الطبقات، واعتبرها داروين تنافسًا من أجل البقاء، بينما رآها هنتنغتون معركةً بين الحضارات. إلَّا أنَّ هذه الآية الكريمة الموجزة، في سورة المجادلة، تنقلُنا إلى ما هو أسمَى فتؤكِّد -رغم قصرها- في مستهلِّها ومنتصفِهَا وختامِهَا، على حقيقة غَلَبَة الحقِّ؛ لتبقى هذه الحقيقة نبراسًا نستذكرُه عندما يكثر الجدل.
نسألُ اللهَ أنْ يرزقنَا حُسنَ التدبُّرِ، وحُسنَ العملِ، وحُسن الاقتداء بسيِّد الخلقِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وصحابتِه الكرام، وألَّا نكونَ ممَّن يقرأُ القرآنَ دونَ أنْ يتدبَّرَه أو يعملَ بهِ، فقد جاء عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «كانَ الرَّجلُ منَّا إِذَا تعلَّم عشرَ آياتٍ لَمْ يُجَاوزهُنَّ حتَّى يعرفَ معانِّيهنَّ والعملَ بهنَّ».
@mtsimsim
{كَتَبَ اللهُ}!! ما ذلك الأمر العظيم، الذي كتبَهُ الله -عزَّ وجلَّ-؟
إنْ تمعَّنَّا في {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، نجد أنَّ الآية تستهل بإخبارنا أنَّ اللهَ -جلَّ جلالُهُ- قد {كَتَبَ} حقيقةً كونيَّةً بأنَّ تكون له ولرسلِهِ الغَلَبَة، وبصيغة القَسَم والتَّأكيد {لَأَغْلِبَنَّ}، ويتكرَّر التَّأكيد على ذلك باختتام الآية بصفتَي «القوَّة والعزَّة»، فهو سبحانه القويُّ الذي لا يُقهَر، العزيزُ الذي لا يُغلَب، فلا مجال للشكِّ أو التردُّدِ أمام حقيقة لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر.
الغَلَبَة في هذا السياق نوعان:
الأُولَى غلبة الحُجَّة والبُرهان، وهي ثابتة منذ بزوغ فجر الرِّسالات، و{إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} دومًا. والثَّانية غلبة التَّمكين والنَّصر، وقد تُؤجَّل؛ بسبب تضييع أحد شروط الجنديَّة لله، أو لحكمةٍ إلهيَّةٍ أُخْرى قد لا ندركها، لكن غَلَبَة الحقِّ في نهاية المطاف حتميَّةُ الوقوع، وفي الوقت الذي يقدِّرُه اللهُ، إذ لا يتخلَّف وعدُهُ أبدًا.
هذه السُّنَّة الربَّانيَّة الثَّابتة، تجدِّد في النُّفوس يقينًا بأنَّ الانتصار ليس أمنيةً عابرةً، بل وعدٌ إلهيٌّ نافذٌ لا يحول دونه شيء. وعلى امتداد التاريخ، تتجلَّى مشاهد الصُّمود ثمَّ التَّمكين، في سير الأنبياء والرُّسل، وفي مسير أتباعهم من بعدهم؛ ليتشبَّث المؤمنُونَ دومًا بما {كَتَبَ اللهُ}. فقد قضى نوحٌ -عليهِ السَّلامُ- قرونًا يدعو قومه، وسط الإعراض والاستهزاء، حتَّى جاء أمرُ الله فأغرق المكذِّبِين، وأنجى المؤمنِين. كما واجه إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- جورَ قومه، وأُلقي في النَّار، فجعلها الله بردًا وسلامًا عليهِ؛ ليكون ذلك تجسيدًا عمليًّا لما {كَتَبَ اللهُ}.
وفي سيرة المصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، مر الإسلام في مكة بمرحلة من الابتلاء، لكن فجر النصر لاح من بدر، ثم تعاقبت الفتوحات، حتى دخل النَّاس في دين الله أفواجًا، وتوالت انتصارات المسلمِينَ عبر التاريخ في فتح الأندلس، ومعركة عين جالوت، التي أوقفت زحف المغول، ثمَّ مع صلاح الدين الأيوبي، الذي استعاد القُدس، وثبات أهل فلسطين، وانتشار الإسلام في الآفاق، رغم حملات التَّشويه، والتَّزييف، وتآمر قوى الباطل، في تجلٍّ واضحٍ لما {كَتَبَ اللهُ}.
ولا يقتصر الأمر على ميادين القتال، بل يشمل ميادين الفكر والإعلام، إذْ يظلُّ الحقُّ صامدًا بالحجَّة والمنطق في وجه ضجيج الباطل، ويتمسَّك المؤمنُونَ بقيمهم الأخلاقيَّة؛ سبيلًا للغَلَبَة الحقيقيَّة في مواجهة التحدِّيات القيميَّة، كما أنَّ الأمر يمتدُّ ليشمل الميادين الاقتصاديَّة والسياسيَّة، فإنَّ الظلم لا يدوم، ويظلُّ العدلُ هو أساس الاستقرار والتَّمكين. كما لا يقتصر أمر هذا القانون الرَّبانيِّ على الجماعات والأمم، بل على الفرد المُؤمن، بصفته مسؤولًا عن التمسُّك بالحقِّ في ذاته، وأسرته، ومجتمعه، أنْ يستند على يقين بما {كَتَبَ اللهُ}، فالغَلَبَة للحقِّ وأهلِهِ.
النَّاس أقوياء بما أعطاهم الله، لكنَّ اللهَ قويٌّ بذاته -جلَّ جلالُهُ-. لقد جادل الكثير في محاولةٍ لفهم حركة التاريخ الإنسانيِّ، فذهب ماركس إلى أنَّها صراعٌ بين الطبقات، واعتبرها داروين تنافسًا من أجل البقاء، بينما رآها هنتنغتون معركةً بين الحضارات. إلَّا أنَّ هذه الآية الكريمة الموجزة، في سورة المجادلة، تنقلُنا إلى ما هو أسمَى فتؤكِّد -رغم قصرها- في مستهلِّها ومنتصفِهَا وختامِهَا، على حقيقة غَلَبَة الحقِّ؛ لتبقى هذه الحقيقة نبراسًا نستذكرُه عندما يكثر الجدل.
نسألُ اللهَ أنْ يرزقنَا حُسنَ التدبُّرِ، وحُسنَ العملِ، وحُسن الاقتداء بسيِّد الخلقِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وصحابتِه الكرام، وألَّا نكونَ ممَّن يقرأُ القرآنَ دونَ أنْ يتدبَّرَه أو يعملَ بهِ، فقد جاء عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «كانَ الرَّجلُ منَّا إِذَا تعلَّم عشرَ آياتٍ لَمْ يُجَاوزهُنَّ حتَّى يعرفَ معانِّيهنَّ والعملَ بهنَّ».
@mtsimsim