كتاب
{إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}
تاريخ النشر: 06 يناير 2026 23:12 KSA
تروي سورة البقرة مشهدًا بارزًا من حياة بني إسرائيل حين كانوا بقيادة طالوت في طريقهم لملاقاة جالوت وجنوده. لم يكن عبور النهر مجرَّد محطَّة جغرافيَّة في الرحلة، بل كان فاصلًا بين الصدق والتواني، وبين الإخلاص في الاتباع والتهاون في الطَّاعة. لقد أمر الله تعالى بني إسرائيل ألَّا يشرَبُوا مِنَ النَّهرِ إلَّا غرفةً باليدِ، اختبارًا لإرادتِهِم وصدقِهِم في السَّير خلفَ أوامرِهِ.
كان النهر، وقد فاض بمياهه في لحظة عطش شديد، فتنةً كاشفةً لجوهر النفوس؛ إذ غلب الظمأ فتجاوزوا الحدَّ المأذون به {فَشَرِبُوا مِنْهُ}، ولم يمتثل لأمر الله {إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}. كان الاختبارُ وسيلةً لانتقاء أصحاب الإرادة الصلبة، وتنقية الصفِّ ليبقى مع طالوت نخبة الصادقِين القادرِين على تكبُّد مصاعب المرحلة التالية، وتحمُّل أمانة المواجهة متوَّجين بعد ذلك بأهليَّة النصر. فالنصر لا يتحقَّق بكثرة العدد، بل بقوة الالتزام وصفاء النيَّة، فـ{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ}.
وهذا الابتلاء واحد من ابتلاءات كثيرة، مرَّ بها العديد من أنبياء ورُسُل بني إسرائيل -عليهم صلوات الله- فقد بعث الله -عزَّ وجلَّ- في بني إسرائيل العديد من الرُسُل، إلَّا أنَّ المكذِّبين من بني إسرائيل لطالما بلغوا في الطغيان مبلغًا عظيمًا؛ فقد قتَّلوا الأنبياء، وارتكبوا الفظائع، وتجاوزوا حدود الله، ولم يلتزموا بعهدٍ، أو يفُوا بوعدٍ. فحتَّى في اختبار مقداره شربة ماء، فإنَّهم لم يلتزموا، فلا ريب إذًا ما يُرى من الطغيان والمجاوزة المتكرِّرة منهم، وممَّن سار على منوالهم عبر الأزمنة المختلفة. وننوِّه بأنَّ هذا المسلك يظلُّ ديدن المكذِّبين منهم، وليس المؤمنِينَ الذين سبق أنْ ثبتوا مع أنبياء الله، وصبروا على المحن والابتلاءات التي لاقوها من قومهم، فكانوا صفوةً اختارهم الله لصدقِهم وإخلاصِهم في مواجهة الشدائد.
ونجد في سِيرة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأصحابه الكرام، نماذج جليلة من انتصار القلَّة المؤمنة. فقد مرَّ أهلُ الإيمان بمراحل امتحان وتمحيص متعدِّدة، بدايةً من اضطهاد كفَّار قريش في مكَّة، وطوال مراحل الدعوة، فما زالوا يتعرَّضُون للمحن {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} ليكونوا جديرين بحمل الرسالة.
وبعد رحيل النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- واصل الصحابةُ -عليهم رضوانُ اللهِ- التَّسامي والرِّفعة متسلِّحِين بالصَّبر على ما مرَّوا به من امتحانات، قال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «إِنَّ أفضلَ عيشٍ أدركنَاهُ بالصَّبرِ». فقدْ أهَّلهم صبرُهم وثباتُهم في مواجهة المِحَن ليحملُوا راية الإسلام، وقيادة أسمَى حضارة.
إن في ابتلاء الله حكمًا بالغة، منها إعداد النفوس وتهذيبها، وغربلة الصفوف وتنقيتها، واختبار صدق العزيمة وصفاء النية؛ تمهيدًا لمهام عظيمة تأتي لاحقًا. فالمهامُّ الكُبْرى تُسنَد لمن اجتازوا محكَّ الابتلاء بإيمانٍ راسخٍ وإرادةٍ ثابتةٍ. وقد علَّمنا القرآن أنَّ الصفوة المختارة تمرُّ دومًا بمراحل تمحيص، وكلَّما اشتدَّ الامتحانُ، كان ذلك دليلًا على عظمة المهمَّة المقبلة. وعلى هذا النهج، يسيرُ أهلُ الحقِّ على مرِّ العصور، حتَّى يرثَ اللهُ الأرضَ وَمَنْ عَليهَا، {وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
كان النهر، وقد فاض بمياهه في لحظة عطش شديد، فتنةً كاشفةً لجوهر النفوس؛ إذ غلب الظمأ فتجاوزوا الحدَّ المأذون به {فَشَرِبُوا مِنْهُ}، ولم يمتثل لأمر الله {إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}. كان الاختبارُ وسيلةً لانتقاء أصحاب الإرادة الصلبة، وتنقية الصفِّ ليبقى مع طالوت نخبة الصادقِين القادرِين على تكبُّد مصاعب المرحلة التالية، وتحمُّل أمانة المواجهة متوَّجين بعد ذلك بأهليَّة النصر. فالنصر لا يتحقَّق بكثرة العدد، بل بقوة الالتزام وصفاء النيَّة، فـ{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ}.
وهذا الابتلاء واحد من ابتلاءات كثيرة، مرَّ بها العديد من أنبياء ورُسُل بني إسرائيل -عليهم صلوات الله- فقد بعث الله -عزَّ وجلَّ- في بني إسرائيل العديد من الرُسُل، إلَّا أنَّ المكذِّبين من بني إسرائيل لطالما بلغوا في الطغيان مبلغًا عظيمًا؛ فقد قتَّلوا الأنبياء، وارتكبوا الفظائع، وتجاوزوا حدود الله، ولم يلتزموا بعهدٍ، أو يفُوا بوعدٍ. فحتَّى في اختبار مقداره شربة ماء، فإنَّهم لم يلتزموا، فلا ريب إذًا ما يُرى من الطغيان والمجاوزة المتكرِّرة منهم، وممَّن سار على منوالهم عبر الأزمنة المختلفة. وننوِّه بأنَّ هذا المسلك يظلُّ ديدن المكذِّبين منهم، وليس المؤمنِينَ الذين سبق أنْ ثبتوا مع أنبياء الله، وصبروا على المحن والابتلاءات التي لاقوها من قومهم، فكانوا صفوةً اختارهم الله لصدقِهم وإخلاصِهم في مواجهة الشدائد.
ونجد في سِيرة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأصحابه الكرام، نماذج جليلة من انتصار القلَّة المؤمنة. فقد مرَّ أهلُ الإيمان بمراحل امتحان وتمحيص متعدِّدة، بدايةً من اضطهاد كفَّار قريش في مكَّة، وطوال مراحل الدعوة، فما زالوا يتعرَّضُون للمحن {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} ليكونوا جديرين بحمل الرسالة.
وبعد رحيل النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- واصل الصحابةُ -عليهم رضوانُ اللهِ- التَّسامي والرِّفعة متسلِّحِين بالصَّبر على ما مرَّوا به من امتحانات، قال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «إِنَّ أفضلَ عيشٍ أدركنَاهُ بالصَّبرِ». فقدْ أهَّلهم صبرُهم وثباتُهم في مواجهة المِحَن ليحملُوا راية الإسلام، وقيادة أسمَى حضارة.
إن في ابتلاء الله حكمًا بالغة، منها إعداد النفوس وتهذيبها، وغربلة الصفوف وتنقيتها، واختبار صدق العزيمة وصفاء النية؛ تمهيدًا لمهام عظيمة تأتي لاحقًا. فالمهامُّ الكُبْرى تُسنَد لمن اجتازوا محكَّ الابتلاء بإيمانٍ راسخٍ وإرادةٍ ثابتةٍ. وقد علَّمنا القرآن أنَّ الصفوة المختارة تمرُّ دومًا بمراحل تمحيص، وكلَّما اشتدَّ الامتحانُ، كان ذلك دليلًا على عظمة المهمَّة المقبلة. وعلى هذا النهج، يسيرُ أهلُ الحقِّ على مرِّ العصور، حتَّى يرثَ اللهُ الأرضَ وَمَنْ عَليهَا، {وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.