منتدى
اللغة: الأم في مكان العمل
تاريخ النشر: 17 يونيو 2026 22:33 KSA
مَا الأُمُّ؟
هي أوَّلُ الوجود، والأصلُ، والنَّسبُ، والجذرُ الأوَّل للإنسان.
وفي مكان العمل، لا نكادُ نستخدمُ وصف “الأُمِّ” إلَّا في سؤال: مََا لُغتك الأُم؟
لكنَّ اللُّغة ليست سؤالًا عابرًا. اللُّغة أمٌٌ بكلِّ ما تعنيه الأمومة من معانٍ وأدوارٍ. هي البابُ المفتوحُ إلى العقل، وإلى الفكر، وإلى الثقافة، وإلى تاريخ الإنسان وحاضره، بل وحتَّى إلى المستقبل الذي يمضي إليه. اللُّغةُ جذرٌ وهويَّةٌ، وتاريخٌ وجغرافيَا، وذاكرةٌ ومعنى.
في المقال السَّابق تحدَّثنا عن إدارة القصَّة بوصفها أداةً للفهم والتَّغيير والتحوُّل داخل المنظَّمات. لكنْ مَا جذرُ القصَّةِ؟
إنَّها الكلمةُ. ومَا جذرُ الكلمةِ إلَّا اللُّغة.
لماذا اللُّغة مهمَّة؟ لأنَّك إذا أردت أنْ تعرف الإنسان، فاستمع إليه: كيف يتحدَّث؟ ماذا يقول؟ كيف يصوغُ فكرته؟ ما الكلماتُ التي يختارُها؟ وكيف يربطُ المعاني بعضَها ببعضٍ؟
فاللُّغة ليست كلماتٍ فقط. هي الكلمةُ، والتَّركيبُ، والمعنَى والرِّسالةُ والغايةُ وبوابةٌ على المرسِل، والمرسَل إليه. بل إنَّ اللُّغة الجيِّدة لا تُعلِِّم المفردات والنَّحو وحدهما، وإنَّما تعلِّم طريقة التَّفكير نفسها. ولعلَّ هذا ما تدركه المعاهدُ الجيدة في تعليم اللُّغات، فهي لا تكتفي بتعليم الكلمة والتَّركيب، بل تعلِّم كيف يُبنَى النصُّ، وكيف تُرتَّب الفكرة، وكيف تُنقل المعلومة، وكيف يُصَاغ المنطقُ بطريقة تجعل الرسالة تصلُ في اللُّغة المُراد تعلُّمها.
فاللُّغة ليست قاموسًا... بل طريقةٌ في التَّفكير والتَّعبير والتَّواصل. لكن أينَ نجدُ اللُّغة في مكان العمل؟
نجدها في القراءةِ: في البريدِ الرسميِّ، والمَحَاضرِ، والقرَاراتِ، والمسوَّداتِ، والدِّراساتِ، والتَّعليماتِ، والمذكراتِ، ونجدها في الفَهم، وفي المكتوبِ والمنطوقِ، وفي التَّواصل الشفهيِّ والكتابيِّ، بل نجدها -أيضًا- في التَّحليل، في تفكيك النُّصوص والكلماتِ والتراكيبِ؛ للوصول إلى صورةٍ أوسعَ تكشف الغاية والمعنى، فاللُّغة تمنحنا مدخلًا أوَّليًّا لفهم السِّياق التنظيميِّ: مَن يقولُ ماذا؟ ومتى؟ ومَا الذي يتكرَّر؟ وما الذي يتمُّ التَّأكيد عليه؟ وما الذي لا يُقَال أصلًا؟، ومن خلال اللُّغة يمكن قراءة حالة المنظَّمة، وعمرها، وخبرتها، ومستواها الثقافي، وتعقيدها أو بساطتها، وحتَّى درجة رقيِّها المؤسسيِّ. فاللُّغة عمليَّةٌ إنسانيَّةٌ معقَّدةٌ، ومركَّبٌ بالغ الدقَّة.
وفي سوق العمل، تبقى اللُّغة مهارةً وصنعةً وأداةَ تأثيرٍ. كما أنَّ اللُّغة الأُم لا تقلُّ أهميَّةً عن اللُّغة السَّائدة في بيئة العمل، بل تمنح الإنسان عمقًا وقدرةً على الفهم والتَّعبير. ومن الشَّواهد على أهميَّة اللُّغة، أنَّ معجزةَ الدِّين الإسلاميِّ هي القرآنُ الكريمُ، ومكوِّن هذه المعجزة الرئيس هو اللُّغة. اللُّغة العربيَّة للإنسان العربيِّ المسلم ليس مجرَّد إرثٍ وحضارةٍ وتاريخٍ وجغرافيا، هي معجزته.
فاللُّغة العربيّة ليست مجرَّد حروفٍ، أو قواعدَ، أو تشكيلٍ؛ إنَّها هويَّةٌ وجذرٌ وإرثٌ وحاضرٌ ومستقبلٌ.
اللُّغة تتعدَّى كونها وسيلةَ اتِّصالِ في سوق العمل، هي وسيلةٌ للتَّعليم والتَّغيير والتَّطوير؛ لأنَّه: ما التَّعليم؟ هو انتقالُ المعرفة -واللُّغة وعاؤها- من شخصٍ إلى آخرَ، أمَّا التَّغييرُ، فهو انتقالُ المعرفةِ من فكرةٍ إلى سلوكٍ وممارسةٍ. ولذلك، فإنَّ أُولَى مراحل التَّطوير والتَّغيير تبدأ باللُّغة، وأُولَى مراحل الأصالة والتميُّز تبدأ بالهويَّة، والهويَّة أحد أهم مكوِّناتها اللُّغة، بل إنَّ أوَّل قراءة حقيقيَّة لمكان العمل تبدأ من اللُّغة. فاللُّغة ليست أُمًّا بالمعنى المعنويِّ فقط؛ إنَّها بدايةُ كلِّ تعليمٍ، وكلِّ تغييرٍ، وكلِّ تميُّزٍ، وكلِّ تحليلٍ.
هي الأصلُ... والأساسُ... والهويَّةُ... كالأُمِّ تمامًا. ولعلَّ “الأُمَّ” الحقيقيَّة في مكان العمل هي اللُّغة، اللُّغة التي نفهمُ بها، ونحلِّلُ بها، ونتواصلُ بها، ونقودُ بها التَّغيير.
ولأنَّ سوق العمل يتغيَّر ويتَّسع، فقد يصبحُ للإنسان أكثر من “أُمٍّ” لُغويَّة، لُغة الجذرِ والهويَّة، ولُغة السُّوق والمعرفة والتَّواصل. فالعناية باللُّغة الأُمِّ، إلى جانب اللُّغات السَّائدة في سوق العمل كالإنجليزيَّة، لا تنتقص من الهويَّة، بل تضيفُ إليها ثراءً ثقافيًّا ومهنيًّا.
لذلك، فإنَّ الاهتمام باللُّغة -الأُم والمكتسبة- ليس ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورة للتًّطوُّر الوظيفيِّ والتنظيميِّ.
* أستاذ الإدارة المساعد في السلوك التنظيميِّ والابتكار
د. إحسان الجهني
Dr@ehssanaljohani.com
هي أوَّلُ الوجود، والأصلُ، والنَّسبُ، والجذرُ الأوَّل للإنسان.
وفي مكان العمل، لا نكادُ نستخدمُ وصف “الأُمِّ” إلَّا في سؤال: مََا لُغتك الأُم؟
لكنَّ اللُّغة ليست سؤالًا عابرًا. اللُّغة أمٌٌ بكلِّ ما تعنيه الأمومة من معانٍ وأدوارٍ. هي البابُ المفتوحُ إلى العقل، وإلى الفكر، وإلى الثقافة، وإلى تاريخ الإنسان وحاضره، بل وحتَّى إلى المستقبل الذي يمضي إليه. اللُّغةُ جذرٌ وهويَّةٌ، وتاريخٌ وجغرافيَا، وذاكرةٌ ومعنى.
في المقال السَّابق تحدَّثنا عن إدارة القصَّة بوصفها أداةً للفهم والتَّغيير والتحوُّل داخل المنظَّمات. لكنْ مَا جذرُ القصَّةِ؟
إنَّها الكلمةُ. ومَا جذرُ الكلمةِ إلَّا اللُّغة.
لماذا اللُّغة مهمَّة؟ لأنَّك إذا أردت أنْ تعرف الإنسان، فاستمع إليه: كيف يتحدَّث؟ ماذا يقول؟ كيف يصوغُ فكرته؟ ما الكلماتُ التي يختارُها؟ وكيف يربطُ المعاني بعضَها ببعضٍ؟
فاللُّغة ليست كلماتٍ فقط. هي الكلمةُ، والتَّركيبُ، والمعنَى والرِّسالةُ والغايةُ وبوابةٌ على المرسِل، والمرسَل إليه. بل إنَّ اللُّغة الجيِّدة لا تُعلِِّم المفردات والنَّحو وحدهما، وإنَّما تعلِّم طريقة التَّفكير نفسها. ولعلَّ هذا ما تدركه المعاهدُ الجيدة في تعليم اللُّغات، فهي لا تكتفي بتعليم الكلمة والتَّركيب، بل تعلِّم كيف يُبنَى النصُّ، وكيف تُرتَّب الفكرة، وكيف تُنقل المعلومة، وكيف يُصَاغ المنطقُ بطريقة تجعل الرسالة تصلُ في اللُّغة المُراد تعلُّمها.
فاللُّغة ليست قاموسًا... بل طريقةٌ في التَّفكير والتَّعبير والتَّواصل. لكن أينَ نجدُ اللُّغة في مكان العمل؟
نجدها في القراءةِ: في البريدِ الرسميِّ، والمَحَاضرِ، والقرَاراتِ، والمسوَّداتِ، والدِّراساتِ، والتَّعليماتِ، والمذكراتِ، ونجدها في الفَهم، وفي المكتوبِ والمنطوقِ، وفي التَّواصل الشفهيِّ والكتابيِّ، بل نجدها -أيضًا- في التَّحليل، في تفكيك النُّصوص والكلماتِ والتراكيبِ؛ للوصول إلى صورةٍ أوسعَ تكشف الغاية والمعنى، فاللُّغة تمنحنا مدخلًا أوَّليًّا لفهم السِّياق التنظيميِّ: مَن يقولُ ماذا؟ ومتى؟ ومَا الذي يتكرَّر؟ وما الذي يتمُّ التَّأكيد عليه؟ وما الذي لا يُقَال أصلًا؟، ومن خلال اللُّغة يمكن قراءة حالة المنظَّمة، وعمرها، وخبرتها، ومستواها الثقافي، وتعقيدها أو بساطتها، وحتَّى درجة رقيِّها المؤسسيِّ. فاللُّغة عمليَّةٌ إنسانيَّةٌ معقَّدةٌ، ومركَّبٌ بالغ الدقَّة.
وفي سوق العمل، تبقى اللُّغة مهارةً وصنعةً وأداةَ تأثيرٍ. كما أنَّ اللُّغة الأُم لا تقلُّ أهميَّةً عن اللُّغة السَّائدة في بيئة العمل، بل تمنح الإنسان عمقًا وقدرةً على الفهم والتَّعبير. ومن الشَّواهد على أهميَّة اللُّغة، أنَّ معجزةَ الدِّين الإسلاميِّ هي القرآنُ الكريمُ، ومكوِّن هذه المعجزة الرئيس هو اللُّغة. اللُّغة العربيَّة للإنسان العربيِّ المسلم ليس مجرَّد إرثٍ وحضارةٍ وتاريخٍ وجغرافيا، هي معجزته.
فاللُّغة العربيّة ليست مجرَّد حروفٍ، أو قواعدَ، أو تشكيلٍ؛ إنَّها هويَّةٌ وجذرٌ وإرثٌ وحاضرٌ ومستقبلٌ.
اللُّغة تتعدَّى كونها وسيلةَ اتِّصالِ في سوق العمل، هي وسيلةٌ للتَّعليم والتَّغيير والتَّطوير؛ لأنَّه: ما التَّعليم؟ هو انتقالُ المعرفة -واللُّغة وعاؤها- من شخصٍ إلى آخرَ، أمَّا التَّغييرُ، فهو انتقالُ المعرفةِ من فكرةٍ إلى سلوكٍ وممارسةٍ. ولذلك، فإنَّ أُولَى مراحل التَّطوير والتَّغيير تبدأ باللُّغة، وأُولَى مراحل الأصالة والتميُّز تبدأ بالهويَّة، والهويَّة أحد أهم مكوِّناتها اللُّغة، بل إنَّ أوَّل قراءة حقيقيَّة لمكان العمل تبدأ من اللُّغة. فاللُّغة ليست أُمًّا بالمعنى المعنويِّ فقط؛ إنَّها بدايةُ كلِّ تعليمٍ، وكلِّ تغييرٍ، وكلِّ تميُّزٍ، وكلِّ تحليلٍ.
هي الأصلُ... والأساسُ... والهويَّةُ... كالأُمِّ تمامًا. ولعلَّ “الأُمَّ” الحقيقيَّة في مكان العمل هي اللُّغة، اللُّغة التي نفهمُ بها، ونحلِّلُ بها، ونتواصلُ بها، ونقودُ بها التَّغيير.
ولأنَّ سوق العمل يتغيَّر ويتَّسع، فقد يصبحُ للإنسان أكثر من “أُمٍّ” لُغويَّة، لُغة الجذرِ والهويَّة، ولُغة السُّوق والمعرفة والتَّواصل. فالعناية باللُّغة الأُمِّ، إلى جانب اللُّغات السَّائدة في سوق العمل كالإنجليزيَّة، لا تنتقص من الهويَّة، بل تضيفُ إليها ثراءً ثقافيًّا ومهنيًّا.
لذلك، فإنَّ الاهتمام باللُّغة -الأُم والمكتسبة- ليس ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورة للتًّطوُّر الوظيفيِّ والتنظيميِّ.
* أستاذ الإدارة المساعد في السلوك التنظيميِّ والابتكار
د. إحسان الجهني
Dr@ehssanaljohani.com