منتدى
وقفة على عتبة العام الجديد
تاريخ النشر: 17 يونيو 2026 22:33 KSA
.. وعندما جعلتُها وقفةَ تأمُّلٍ، رأيتُ أنَّ الزَّمانَ لا يستأذن، والأيامَ قوافل لا تنتظر، والسُّنون صفحات تُطوى قبلَ أنْ نُتمَّ قراءتها. يمضي العامُ كما يمضي الضيفُ الكريم، لا يُعلنُ رحيلَه، ولا يُودِِّعُ بكلام.
وقفتَُ على عتبةِ عامٍ جديدٍ، فانظر: أيّ يديكَ تُقدِّم؟ يدَ الأملِ النقيِّ، أم يدَ العادةِ التي أنستكَ أنَّ الوقتَ أمانةٌ؟
كم مِن لحظةٍ ضيَّعناها فظننَّاها تلهيةً، وكم مِن يومٍ أهملنَاه فإذا هو في صحيفتنا شاهد.
الزَّمانُ لا يبيعُ ثانيةً مضت بكلِّ الذَّهب، فاشترِ اليومَ قبل أنْ يُغلقَ الدكَّانُ بلا موعد.
وقبلَ أنْ تطأ العامَ الجديد، قِفْ مع نفسِكَ وقفةَ المُحاسِب الأمين: ما الذي زرعتَ فلم تَحصد؟ وما الذي حصدتَ ولم تَزرع؟ وما الذي وعدتَ به الأمسَ وما زالَ وعدًا في الهواء؟
فالنَّفسُ كالبستان، إنْ لم تتعهَّدها بالرِّعاية نبتَ فيها ما لم تبذر. فالعادةُ السَّيئةُ شجيرةٌ صغيرةٌ تُهملها حتى تُصبحَ شجرةً لا تُقلَع. والفضيلةُ بذرةٌ تحتاجُ صبرًا وسقيًا ومثابرةً قبلَ أنْ تُثمر.
حاسِبْ نفسَكَ في الخَلَوة، تَسلَم مِن الحسابِ في الملأ. وأصلِحْ ما في الدَّاخل، يستقِمْ لكَ الخارج.
لا تُعدِّدْ ذنوبَ الأمسِ حتى تُثبَّط، بل اجعلها جسرًا تعبرُ عليه إلى غدٍ أفضل. فالتوبةُ بابٌ لا يُغلَق إلَّا على مَن أغلقه بيده. واجعل النيَّةَ رأسمالِك في عامك المقبل، فالعامُ الجديدُ صفحةٌ بيضاءُ، تنتظر من يملأها، وتترقب لتشاهد بِمَ سيملأها.. وأنت مَن يملكُ القلم؟ والنيَّةَ التي ستدخل بها عامك هي الحِبرُ الذي ستملأ بها قلمك.. فالنيَّةُ الصادقةُ تُبارَكُ فيها ساعةٌ، ونيَّةٌ فارغةٌ لا تُغني عنكَ سنة.
فانوِ في مستهلِِّ عامِك أنْ تكونَ خيرًا ممَّا كنت؛ خيرًا في بيتك قبلَ السُّوق، وفي صمتِكَ قبلَ كلامِك، وفي سرِّكَ قبلَ علانيتك.
لا تقُلْ: سأبدأُ غدًا، فالغدُ وعدٌ، والآنَ حقيقة. ابدأ مِن هذه اللَّحظة، فكلُّ رحلةٍ خُطِّطَت في الليلِ، انطلقَت في الصباح.
ومن خير ما تملأ به جرابك: صِلْ مَا انقطعَ، ولا تستكثرَ خطوةً واحدةً تُعيدُ بها جسرًا هدمَه الجفاء. فالرَّحمُ كالشَّمعة؛ تُضيءُ مَن حولَها قبلَ أنْ تُضيءَ نفسَها. وقلِّل مِن ضوضاءِ الحياة، وأكثِرْ مِن سكينةِ الرُّوح. فليسَ كلُّ ما يُقالُ يستحقُّ ردًّا، وليسَ كلُّ بابٍ يُطرَقُ يستحقُّ فتحًا. وكُنْ أمينًا مع نفسِكَ قبلَ النَّاس؛ فالذي يخدعُ نفسَه خسِرَ أقربَ صديقٍ إليه، وأعظمهم أثرًا.
وأحسِنْ الظنَّ بالله، فهو سُبحانَه لم يُغلِقْ عليكَ بابًا إلَّا وفتحَ لكَ أُفقًا. وما ضاقَ بكَ طريقٌ إلَّا وكانَ وراءَ الضِّيقِ سعةٌ لم ترَها بعد. واجعلِ العامَ الجديدَ موسمَ الرُّوحِ لا موسمَ المظاهر. فالذي يُزرعُ في الباطنِ يُحصَدُ في الظَّاهر، والذي يُهملُ في الدَّاخل لا يُجمِّلُه طلاءُ الخارج.
وتذكَّر أنَّ العمرَ أقصرُ ممَّا نظن، وأنَّك لو جمعتَ كلَّ ما أضعتَه مِن الوقتِ فيما لا يُفيد، وكلَّ كلمةٍ قُلتَها، ثمَّ تمنّيتَ ألَّا تكونَ قُلتَها، وكلَّ يومٍ مرَّ وأنتَ فيه تنتظرُ بلا فعل؛ لأدركتَ أنَّ العمرَ أقصرُ بكثيرٍ ممَّا يبدو في مرايا الوَهم.
وثِق بأنَّك لستَ أبديًّا في هذه الدار، وما هي إلَّا منزلُ مسافرٍ. فلا تُثقِلِ الحقيبةَ بما لا تحتاجه، ولا تُودِّعِ القلوبَ الحبيبةَ بلا أثر. ولا بُدَّ أنْ تعلم أنَّ العامَ المقبل لا يعدُكَ بغدٍ مضمون، لكنَّه يمنحُكَ لحظةً ما زلتَ فيها حيًّا تستطيعُ أنْ تُغيِّر. فاغتنمِ النعمةَ قبلَ العَدَم، والصحَّةَ قبلَ السَّقم، والمُهلةَ قبلَ النَّدم.
أيُّها المُقبِلُ على عامٍ جديدٍ، اجعلْ خيرَ أيامك ما لم يأتِ بعد. وابنِ مِن أنقاضِ أمسِكَ معبدَ غدِك. وتذكَّرْ أنَّ الوقتَ لا يَعودُ بالأسف، لكنَّ القلبَ المُقبِلَ على الله يجدُ في كلِّ لحظةٍ بدايةً لم تَفُتْ.
د. إيمان حماد الحماد
@bentalnoor2005
وقفتَُ على عتبةِ عامٍ جديدٍ، فانظر: أيّ يديكَ تُقدِّم؟ يدَ الأملِ النقيِّ، أم يدَ العادةِ التي أنستكَ أنَّ الوقتَ أمانةٌ؟
كم مِن لحظةٍ ضيَّعناها فظننَّاها تلهيةً، وكم مِن يومٍ أهملنَاه فإذا هو في صحيفتنا شاهد.
الزَّمانُ لا يبيعُ ثانيةً مضت بكلِّ الذَّهب، فاشترِ اليومَ قبل أنْ يُغلقَ الدكَّانُ بلا موعد.
وقبلَ أنْ تطأ العامَ الجديد، قِفْ مع نفسِكَ وقفةَ المُحاسِب الأمين: ما الذي زرعتَ فلم تَحصد؟ وما الذي حصدتَ ولم تَزرع؟ وما الذي وعدتَ به الأمسَ وما زالَ وعدًا في الهواء؟
فالنَّفسُ كالبستان، إنْ لم تتعهَّدها بالرِّعاية نبتَ فيها ما لم تبذر. فالعادةُ السَّيئةُ شجيرةٌ صغيرةٌ تُهملها حتى تُصبحَ شجرةً لا تُقلَع. والفضيلةُ بذرةٌ تحتاجُ صبرًا وسقيًا ومثابرةً قبلَ أنْ تُثمر.
حاسِبْ نفسَكَ في الخَلَوة، تَسلَم مِن الحسابِ في الملأ. وأصلِحْ ما في الدَّاخل، يستقِمْ لكَ الخارج.
لا تُعدِّدْ ذنوبَ الأمسِ حتى تُثبَّط، بل اجعلها جسرًا تعبرُ عليه إلى غدٍ أفضل. فالتوبةُ بابٌ لا يُغلَق إلَّا على مَن أغلقه بيده. واجعل النيَّةَ رأسمالِك في عامك المقبل، فالعامُ الجديدُ صفحةٌ بيضاءُ، تنتظر من يملأها، وتترقب لتشاهد بِمَ سيملأها.. وأنت مَن يملكُ القلم؟ والنيَّةَ التي ستدخل بها عامك هي الحِبرُ الذي ستملأ بها قلمك.. فالنيَّةُ الصادقةُ تُبارَكُ فيها ساعةٌ، ونيَّةٌ فارغةٌ لا تُغني عنكَ سنة.
فانوِ في مستهلِِّ عامِك أنْ تكونَ خيرًا ممَّا كنت؛ خيرًا في بيتك قبلَ السُّوق، وفي صمتِكَ قبلَ كلامِك، وفي سرِّكَ قبلَ علانيتك.
لا تقُلْ: سأبدأُ غدًا، فالغدُ وعدٌ، والآنَ حقيقة. ابدأ مِن هذه اللَّحظة، فكلُّ رحلةٍ خُطِّطَت في الليلِ، انطلقَت في الصباح.
ومن خير ما تملأ به جرابك: صِلْ مَا انقطعَ، ولا تستكثرَ خطوةً واحدةً تُعيدُ بها جسرًا هدمَه الجفاء. فالرَّحمُ كالشَّمعة؛ تُضيءُ مَن حولَها قبلَ أنْ تُضيءَ نفسَها. وقلِّل مِن ضوضاءِ الحياة، وأكثِرْ مِن سكينةِ الرُّوح. فليسَ كلُّ ما يُقالُ يستحقُّ ردًّا، وليسَ كلُّ بابٍ يُطرَقُ يستحقُّ فتحًا. وكُنْ أمينًا مع نفسِكَ قبلَ النَّاس؛ فالذي يخدعُ نفسَه خسِرَ أقربَ صديقٍ إليه، وأعظمهم أثرًا.
وأحسِنْ الظنَّ بالله، فهو سُبحانَه لم يُغلِقْ عليكَ بابًا إلَّا وفتحَ لكَ أُفقًا. وما ضاقَ بكَ طريقٌ إلَّا وكانَ وراءَ الضِّيقِ سعةٌ لم ترَها بعد. واجعلِ العامَ الجديدَ موسمَ الرُّوحِ لا موسمَ المظاهر. فالذي يُزرعُ في الباطنِ يُحصَدُ في الظَّاهر، والذي يُهملُ في الدَّاخل لا يُجمِّلُه طلاءُ الخارج.
وتذكَّر أنَّ العمرَ أقصرُ ممَّا نظن، وأنَّك لو جمعتَ كلَّ ما أضعتَه مِن الوقتِ فيما لا يُفيد، وكلَّ كلمةٍ قُلتَها، ثمَّ تمنّيتَ ألَّا تكونَ قُلتَها، وكلَّ يومٍ مرَّ وأنتَ فيه تنتظرُ بلا فعل؛ لأدركتَ أنَّ العمرَ أقصرُ بكثيرٍ ممَّا يبدو في مرايا الوَهم.
وثِق بأنَّك لستَ أبديًّا في هذه الدار، وما هي إلَّا منزلُ مسافرٍ. فلا تُثقِلِ الحقيبةَ بما لا تحتاجه، ولا تُودِّعِ القلوبَ الحبيبةَ بلا أثر. ولا بُدَّ أنْ تعلم أنَّ العامَ المقبل لا يعدُكَ بغدٍ مضمون، لكنَّه يمنحُكَ لحظةً ما زلتَ فيها حيًّا تستطيعُ أنْ تُغيِّر. فاغتنمِ النعمةَ قبلَ العَدَم، والصحَّةَ قبلَ السَّقم، والمُهلةَ قبلَ النَّدم.
أيُّها المُقبِلُ على عامٍ جديدٍ، اجعلْ خيرَ أيامك ما لم يأتِ بعد. وابنِ مِن أنقاضِ أمسِكَ معبدَ غدِك. وتذكَّرْ أنَّ الوقتَ لا يَعودُ بالأسف، لكنَّ القلبَ المُقبِلَ على الله يجدُ في كلِّ لحظةٍ بدايةً لم تَفُتْ.
د. إيمان حماد الحماد
@bentalnoor2005