كتاب
الدروس المستقاة من الهجرة النبوية
تاريخ النشر: 30 يونيو 2026 23:19 KSA
وتُطوَى صفحات الأيام، فيمرُّ علينا عامٌ بأكمله؛ عشنا معه لحظاتٍ بحلوها ومرِّها؛ بضحكاتٍ وآهاتٍ، وبحسناتٍ وسيئاتٍ. عامٌ مضى وكأنَّه بالأمس؛ لتسارع خُطوات الزَّمن، الذي أصبح يملك زمام أمورنا، والعاقلُ مَن استغلَّ كل لحظة في الطَّاعة والتقرُّب إلى الله، وكما قال الحسن البصري: «يا ابنَ آدمَ إِنَّمَا أنتَ أيَّامٌ، كلَّما ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُكَ».
وها نحنُ نعيشُ عام ١٤٤٨هـ؛ ليستذكر المسلمُون الحدث الأعظم الذي غيَّر وجه البشريَّة، وأخرجها من الظلمات إلى النور، وهو الهجرة النبويَّة المباركة للرَّسول الكريم من مكَّة إلى المدينة؛ ليؤسِّس أوَّل دولة إسلاميَّة منظَّمة؛ فشعَّ منها نورُ الإسلام إلى العالم كله، ودَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا.
ماذا نستفيدُ من هذا الحدث الأعظم؟ هل نكتفي بالطُّقوس والعادات فقط.. هذه الطُّقوس جميلة؛ لأنَّها تشعرنا بالتَّفاؤل والأمل بالخير والسعادة.. ولكن الاحتفاء بالحدث يتطلَّب الاستشعار بأنَّه لم يكن إلَّا قَدَرًا من أقدار الله، خطَّه لنبيِّه؛ ليكون درسًا وعِبرةً لأمَّته، فمن الهجرة نتعلَّم التَّضحية؛ فالنبيُّ ضحَّى بمالهِ وأهلهِ وأرضهِ في سبيلِ اللهِ.. حيثُ غادرَ مكَّة بحزنٍ وقال: «وَاَللهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».. بل إنَّ الكثيرين ممَّن هاجرُوا، تركُوا أهليهم ومالهم وحلالهم؛ لدعم وتأسيس دولة الإسلام.
كما أنَّ الهجرة تعلِّمنا أهميَّة الصداقة والصُّحبة الطَّيبة والثِّقة التي نوليها لمَن يدعمنا، فأبو بكرٍ أوَّل مَن صدَّقه من الصحابة، وهو يتقدَّم الرَّسول في الرحلةِ، ويرصدُ الأماكنَ، حتَّى لا يكون هناك خطرٌ على حياة الرَّسول، فحتى قبل دخولهما الغار؛ يستكشفُ المكانَ، حيث يفدِي صاحبَه بنفسهِ.
بل إنَّ الفداء كان في نومِ ابن عمِّه علي بن أبي طالب في فراشه؛ لإيهام قريش.. نعم الحبُّ للقائد والأرض، يجعل الفداء بالنَّفس والمال مقدَّمًا على أيِّ شيء آخر.
ولم يكن ذلك النجاح في الرحلة إلَّا لحُسن التَّخطيط والتَّنظيم وإدارة الطَّاقات وفريق العمل؛ وهو إلهام الله، ورجاحة عقل النبيِّ، فهناك فريق عمل متكامل، وكانت السريَّة في العمل أساس النَّجاح.. فأعطيت السيِّدات أسماء وعائشة بنات أبي بكر الصدِّيق مهمَّة تجهيز الرِّحلة من الطَّعام والشَّراب، وعبدالله بن أبي بكر الشاب المثقَّف الفَطِن يذهب إليهما عند السَّحر، ويزوِّدهما بما يحتاجانه، ثمَّ يصبح في قريش، وكأنَّ شيئًا لم يكن.. والرَّاعي عامر بن فهيرة، يرعى أغنامه في نفس المسار، حتى يطمسَ آثارَ أقدامِهما.. فكم نحتاج في حياتنا العمليَّة لاستغلال الطَّاقات البشريَّة، وتوجيهها كل حسب إمكاناتهِ وقدراتهِ.
ولا ننسى درسَ التوكُّل على الله، فهو أساسُ الرحلة في الحياة (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، وفي الغار يأتي كفَّارُ قريش ليقفُوا على باب الغار، ويرتعدُ أبوبكرٍ الصدِّيق ويقول: «لوْ أنَّ أَحدَهُم نَظَرَ تَحتَ قدَميهِ لَأبْصَرَنَا»، فيُجيبهُ الرسولُ الكريمُ: (مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكرٍ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالثهُمَا).
وفي شهر المحرَّم يأتي العاشرُ منه؛ ليذكِّرنا بنجاة نبيِّ اللهِ موسى -عليهِ السَّلامُ- ونصره على القومِ الظالمِين؛ بأداةٍ بسيطةٍ يشقُّ بهَا عبابَ الموجِ؛ ليفسح له الطَّريق، ثمَّ يُطبق البحرَ على العُصاة، وهنا أيضًا التوكُّل على الله مهما كانت أدواتنَا بسيطةً، ولكنَّه بالإيمان باللهِ سيكون النَّصر.. وكانْ يصومه أتباعُ موسى في المدينة، فقالَ النبيُّ: «نحنُ أحقُّ بِمُوسَى منهُم، لإنْ عشتُ للقابلِ لأَصومنَّ العَاشِرَ ويومًا قبلَهُ، أو يومًا بعدَهُ».
إنَّ الهجرة ليست هجرة مكان فقط.. ولكن هجرة المعاصي والآثام، وكل ما يسيء للآخرين، والرسول الكريم يقول: «المسلمُ مًن سلمَ المسلمُونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ»، والمهاجرُ مَن هجرَ ما نهَى اللهُ ورسولُه عنهُ.
وها نحنُ نعيشُ عام ١٤٤٨هـ؛ ليستذكر المسلمُون الحدث الأعظم الذي غيَّر وجه البشريَّة، وأخرجها من الظلمات إلى النور، وهو الهجرة النبويَّة المباركة للرَّسول الكريم من مكَّة إلى المدينة؛ ليؤسِّس أوَّل دولة إسلاميَّة منظَّمة؛ فشعَّ منها نورُ الإسلام إلى العالم كله، ودَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا.
ماذا نستفيدُ من هذا الحدث الأعظم؟ هل نكتفي بالطُّقوس والعادات فقط.. هذه الطُّقوس جميلة؛ لأنَّها تشعرنا بالتَّفاؤل والأمل بالخير والسعادة.. ولكن الاحتفاء بالحدث يتطلَّب الاستشعار بأنَّه لم يكن إلَّا قَدَرًا من أقدار الله، خطَّه لنبيِّه؛ ليكون درسًا وعِبرةً لأمَّته، فمن الهجرة نتعلَّم التَّضحية؛ فالنبيُّ ضحَّى بمالهِ وأهلهِ وأرضهِ في سبيلِ اللهِ.. حيثُ غادرَ مكَّة بحزنٍ وقال: «وَاَللهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».. بل إنَّ الكثيرين ممَّن هاجرُوا، تركُوا أهليهم ومالهم وحلالهم؛ لدعم وتأسيس دولة الإسلام.
كما أنَّ الهجرة تعلِّمنا أهميَّة الصداقة والصُّحبة الطَّيبة والثِّقة التي نوليها لمَن يدعمنا، فأبو بكرٍ أوَّل مَن صدَّقه من الصحابة، وهو يتقدَّم الرَّسول في الرحلةِ، ويرصدُ الأماكنَ، حتَّى لا يكون هناك خطرٌ على حياة الرَّسول، فحتى قبل دخولهما الغار؛ يستكشفُ المكانَ، حيث يفدِي صاحبَه بنفسهِ.
بل إنَّ الفداء كان في نومِ ابن عمِّه علي بن أبي طالب في فراشه؛ لإيهام قريش.. نعم الحبُّ للقائد والأرض، يجعل الفداء بالنَّفس والمال مقدَّمًا على أيِّ شيء آخر.
ولم يكن ذلك النجاح في الرحلة إلَّا لحُسن التَّخطيط والتَّنظيم وإدارة الطَّاقات وفريق العمل؛ وهو إلهام الله، ورجاحة عقل النبيِّ، فهناك فريق عمل متكامل، وكانت السريَّة في العمل أساس النَّجاح.. فأعطيت السيِّدات أسماء وعائشة بنات أبي بكر الصدِّيق مهمَّة تجهيز الرِّحلة من الطَّعام والشَّراب، وعبدالله بن أبي بكر الشاب المثقَّف الفَطِن يذهب إليهما عند السَّحر، ويزوِّدهما بما يحتاجانه، ثمَّ يصبح في قريش، وكأنَّ شيئًا لم يكن.. والرَّاعي عامر بن فهيرة، يرعى أغنامه في نفس المسار، حتى يطمسَ آثارَ أقدامِهما.. فكم نحتاج في حياتنا العمليَّة لاستغلال الطَّاقات البشريَّة، وتوجيهها كل حسب إمكاناتهِ وقدراتهِ.
ولا ننسى درسَ التوكُّل على الله، فهو أساسُ الرحلة في الحياة (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، وفي الغار يأتي كفَّارُ قريش ليقفُوا على باب الغار، ويرتعدُ أبوبكرٍ الصدِّيق ويقول: «لوْ أنَّ أَحدَهُم نَظَرَ تَحتَ قدَميهِ لَأبْصَرَنَا»، فيُجيبهُ الرسولُ الكريمُ: (مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكرٍ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالثهُمَا).
وفي شهر المحرَّم يأتي العاشرُ منه؛ ليذكِّرنا بنجاة نبيِّ اللهِ موسى -عليهِ السَّلامُ- ونصره على القومِ الظالمِين؛ بأداةٍ بسيطةٍ يشقُّ بهَا عبابَ الموجِ؛ ليفسح له الطَّريق، ثمَّ يُطبق البحرَ على العُصاة، وهنا أيضًا التوكُّل على الله مهما كانت أدواتنَا بسيطةً، ولكنَّه بالإيمان باللهِ سيكون النَّصر.. وكانْ يصومه أتباعُ موسى في المدينة، فقالَ النبيُّ: «نحنُ أحقُّ بِمُوسَى منهُم، لإنْ عشتُ للقابلِ لأَصومنَّ العَاشِرَ ويومًا قبلَهُ، أو يومًا بعدَهُ».
إنَّ الهجرة ليست هجرة مكان فقط.. ولكن هجرة المعاصي والآثام، وكل ما يسيء للآخرين، والرسول الكريم يقول: «المسلمُ مًن سلمَ المسلمُونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ»، والمهاجرُ مَن هجرَ ما نهَى اللهُ ورسولُه عنهُ.