كتاب
ما الذي يُرضينا؟
تاريخ النشر: 07 يوليو 2026 22:50 KSA
في سورة التوبة، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ: (أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْآخِرَةِ)؟
نزلت الآيةُ في سياق الحثِّ على الخروج في غزوة تبوك، والإنكار على مَن آثر الرَّاحة العاجلة على الواجب والمآل الأبقَى. كان ذلك عتابًا للمؤمنِينَ، فجوهرُ الابتلاء لم يكن في السَّفر وحده، بل في انكشاف ترتيب الأولويَّات.
إنَّه ليس سؤالًا مُجرَّدًا، بل جرسُ تنبيهٍ... ليسأل الواحد منَّا نفسه: ماذا قدَّمتُ؟ ولأيِّ غايةٍ أعيشُ؟
التَّنبيه هنا لا يستلزم ازدراء الدُّنيا، فهي ساحةُ الاستخلاف والعمل، والدُّنيا ليست مذمُومةً لذاتِها، وإنَّما يُذمُّ الارتِهان لها (فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) فكلُّ ما يلمعُ هنا محدودٌ، وكلُّ ما يُفتن به الإنسانُ زائلٌ.
إنَّ هذا التنبيه ليس محدودًا بتلك الحادثة الماضية فقط، بل هو مُوجَّه لنا في كلِّ لحظة نتثاقل فيها عن فعل الأصلح. فقيمةُ الحياة ليست في طولها، بل في وجهتها، وليست في كثرةِ ما نملكُ، بل في صدقِ ما نُقدِّمُ؛ وليست في سلامةِ الجسد، بل في يقظةِ القلب.
لقد كانت حياةُ المُصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ -خيرَ تجسيدٍ لهذا المعنى، (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، فقد كانت حياتُه بُرهانًا على أنَّ الدُّنيا ميدانُ تكليفٍ، لا مائدة استغراقٍ. نام على حصيرٍ فأثَّر في جنبه، فلمَّا عرضَ عليه الصحابةُ -رضوانَ اللهِ عليهِم- أنْ يتَّخذُوا له فراشًا ألينَ، قالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنيَا، مَا أنَا فِي الدُّنيَا إِلَّا كَرَاكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثمَّ راحَ وترَكَهَا». فما كان زهدُه انقطاعًا سلبيًّا، بل كان انصرافًا عن التَّرف المُلهِي؛ ليتفرَّغ القلبُ والجسدُ للرسالة السَّامية.
وكذلك الحال مع سائر الأنبياء والرُّسل -عليهِم السَّلامُ- فنوحٌ في طولِ صبرهِ، وإبراهيمُ في ثباتهِ أمام الابتلاء، ومُوسى في مكابدتهِ طريق الرسالة، ويُوسفُ في انتقالهِ من المحنة إلى التَّمكين، كلُّها شواهد على أنَّ الحياة ليست موضعَ ركونٍ، بل ميدانُ أداءٍ ورسالة.
وعلى ذلك النَّهج، سار روَّادُ هذه الأُمَّة، فلم يفهمُوا الزُّهد على أنَّه اعتزالٌ للواجب، بل على أنَّه تحرُّر من سلطان الشَّهوة، ولذلك لم يجعلُوا متاع الدنيا سقفًا لطموحِهم، فلم تكن حياتُهم دارَ قطفِ ثمارٍ، بل دارَ غرسٍ وسقيٍ وصبرٍ.
ونحن نُجاري أحداث اليوم، والشهر، والسَّنة.. بل العمر بأكملِهِ، يُنبِّهنا سؤالٌ: (أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْآخِرَةِ)؛ لنتجاوز المقاييس الدنيويَّة الضيِّقة، ونستحضر آفاق الآخرة الباقِية، ويُنبِّهنا إذا أردنَا الحياةَ خالصةً من المنغِّصات، أو جعلناها غايةَ آمالِنا وطموحاتِنا، ويوقظنا عندما نجزعُ لعدمِ تحقُّق كل مراداتنا، أو عندما نواجه مشكلات تعوقُنا عن تحقيق أهدافنا.. وكم من أهدافنا مرتبطة بالدُّنيا فقط!؟
المطلوبُ إحسانُ العملِ في الدنيا نفسها، بوصفها موضعَ أمانةٍ وعبورٍ، لا موضعَ استغراقٍ وافتتانٍ. فمَن أرادَ رفعةَ الآخرةِ، لزمه أنْ يُحسن عبورَ الدُّنيا، لا أنْ يسكن إليها سُكونَ المفتونِ.
اللَّهُمَّ ارزقنَا حُسنَ البصرِ والبصيرةِ، وحُسنَ العملِ والتوكُّلِ، ولا تجعلِ الدُّنيَا أكبرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلغَ عِلمِنَا.
نزلت الآيةُ في سياق الحثِّ على الخروج في غزوة تبوك، والإنكار على مَن آثر الرَّاحة العاجلة على الواجب والمآل الأبقَى. كان ذلك عتابًا للمؤمنِينَ، فجوهرُ الابتلاء لم يكن في السَّفر وحده، بل في انكشاف ترتيب الأولويَّات.
إنَّه ليس سؤالًا مُجرَّدًا، بل جرسُ تنبيهٍ... ليسأل الواحد منَّا نفسه: ماذا قدَّمتُ؟ ولأيِّ غايةٍ أعيشُ؟
التَّنبيه هنا لا يستلزم ازدراء الدُّنيا، فهي ساحةُ الاستخلاف والعمل، والدُّنيا ليست مذمُومةً لذاتِها، وإنَّما يُذمُّ الارتِهان لها (فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) فكلُّ ما يلمعُ هنا محدودٌ، وكلُّ ما يُفتن به الإنسانُ زائلٌ.
إنَّ هذا التنبيه ليس محدودًا بتلك الحادثة الماضية فقط، بل هو مُوجَّه لنا في كلِّ لحظة نتثاقل فيها عن فعل الأصلح. فقيمةُ الحياة ليست في طولها، بل في وجهتها، وليست في كثرةِ ما نملكُ، بل في صدقِ ما نُقدِّمُ؛ وليست في سلامةِ الجسد، بل في يقظةِ القلب.
لقد كانت حياةُ المُصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ -خيرَ تجسيدٍ لهذا المعنى، (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، فقد كانت حياتُه بُرهانًا على أنَّ الدُّنيا ميدانُ تكليفٍ، لا مائدة استغراقٍ. نام على حصيرٍ فأثَّر في جنبه، فلمَّا عرضَ عليه الصحابةُ -رضوانَ اللهِ عليهِم- أنْ يتَّخذُوا له فراشًا ألينَ، قالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنيَا، مَا أنَا فِي الدُّنيَا إِلَّا كَرَاكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثمَّ راحَ وترَكَهَا». فما كان زهدُه انقطاعًا سلبيًّا، بل كان انصرافًا عن التَّرف المُلهِي؛ ليتفرَّغ القلبُ والجسدُ للرسالة السَّامية.
وكذلك الحال مع سائر الأنبياء والرُّسل -عليهِم السَّلامُ- فنوحٌ في طولِ صبرهِ، وإبراهيمُ في ثباتهِ أمام الابتلاء، ومُوسى في مكابدتهِ طريق الرسالة، ويُوسفُ في انتقالهِ من المحنة إلى التَّمكين، كلُّها شواهد على أنَّ الحياة ليست موضعَ ركونٍ، بل ميدانُ أداءٍ ورسالة.
وعلى ذلك النَّهج، سار روَّادُ هذه الأُمَّة، فلم يفهمُوا الزُّهد على أنَّه اعتزالٌ للواجب، بل على أنَّه تحرُّر من سلطان الشَّهوة، ولذلك لم يجعلُوا متاع الدنيا سقفًا لطموحِهم، فلم تكن حياتُهم دارَ قطفِ ثمارٍ، بل دارَ غرسٍ وسقيٍ وصبرٍ.
ونحن نُجاري أحداث اليوم، والشهر، والسَّنة.. بل العمر بأكملِهِ، يُنبِّهنا سؤالٌ: (أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْآخِرَةِ)؛ لنتجاوز المقاييس الدنيويَّة الضيِّقة، ونستحضر آفاق الآخرة الباقِية، ويُنبِّهنا إذا أردنَا الحياةَ خالصةً من المنغِّصات، أو جعلناها غايةَ آمالِنا وطموحاتِنا، ويوقظنا عندما نجزعُ لعدمِ تحقُّق كل مراداتنا، أو عندما نواجه مشكلات تعوقُنا عن تحقيق أهدافنا.. وكم من أهدافنا مرتبطة بالدُّنيا فقط!؟
المطلوبُ إحسانُ العملِ في الدنيا نفسها، بوصفها موضعَ أمانةٍ وعبورٍ، لا موضعَ استغراقٍ وافتتانٍ. فمَن أرادَ رفعةَ الآخرةِ، لزمه أنْ يُحسن عبورَ الدُّنيا، لا أنْ يسكن إليها سُكونَ المفتونِ.
اللَّهُمَّ ارزقنَا حُسنَ البصرِ والبصيرةِ، وحُسنَ العملِ والتوكُّلِ، ولا تجعلِ الدُّنيَا أكبرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلغَ عِلمِنَا.