كتاب

المنتخبات العربية.. بين الفوز والخسارة

لا يمرُّ المونديالُ كحدثٍ رياضيٍّ عابرٍ، فهو مسرحٌ واسعٌ تتقاطعُ فيه المهارة بالهويَّة، والطُّموح بحسابات الملعب الدَّقيقة، والانتصار بقدرة اللَّاعبين على احتمال الضَّغط. في كلِّ نسخة من كأس العالم تُكتب قصص تُفرِح جماهيرَ، وتكسر قلوبَ أُخْرى، وبين هزيمة منتخبٍ عربيٍّ، وتأهُّل آخرَ يجد المتابعُ نفسه أمام سؤال أعمق من النتيجة: لماذا يفوزُ فريقٌ.. ولماذا يخسرُ آخرُ؟، وكيف تتحوَّل مباراة واحدة إلى لحظةٍ لا تُنسَى في ذاكرة الشُّعوب؟.
هزيمة المنتخب السعودي، أيًّا كانت تفاصيلها الرقميَّة، لا يمكن اختزالها في خطأ لاعب، أو قرار حَكَم، أو سوء حظٍّ عابر. هذا ما فهمتُه من الأحاديث الدَّائرة بعد الخسارة، فالجماهير التي حزنت على خروج منتخبنا، وجَّهت جزءًا من طاقتها وفرحتها إلى فوز المنتخب المصريِّ وتأهُّله إلى دور الـ16.

معظم ما أستندُ إليه في هذه المقالة، جاء من أحاديث الجماهير: في مواقع التَّواصل، وفي لقاءات الصديقات، وفي كلِّ مجلس أجد فيه مَن يتحدَّث عن المونديال. فلا شيء يشغل النَّاس هذه الأيام أكثر من المباريات، حتَّى أنّ كثيرِين صارُوا يضبطُون مواعيدهم اليوميَّة على توقيت انطلاقها.
حزنت، كغيري، على هزيمة منتخبنا وخروجه من المونديال صفر اليدين. فأنَا لا أتابعُ عادةً إلَّا مباريات المنتخب السعوديِّ، ولستُ خبيرةً في كرة القدم، ولا كاتبة رياضيَّة، لكنَّني لم أستطع تجاهل هذا الحدث وأنا في القاهرة، حيثُ تستعدُّ مصرُ، بل يستعدُّ العالمُ العربيُّ كلُّه، لمتابعة مباراة كُبرى تجمع مصرَ بالأرجنتين. وقد أخبرتنِي ابنتِي أنَّ المواجهة ستكون صعبةً ومثيرةً؛ لأنَّها تجمعُ بين أسماء لامعة مثل محمد صلاح، وليونيل ميسي، ولذلك بدا لي أنَّ لا حديث في المدينة أكبر من مباراة الثلاثاء (أمس).

وعن المنتخب السعوديِّ، يردِّدُ كثيرُون أنَّ كرة القدم الحديثة أصبحت لعبة تفاصيل صغيرة: تمركز المدافعِين عند فقدان الكرة، وسرعة التحوُّل من الدفاع إلى الهجوم، وجودة الضَّغط في وسط الملعب، والقدرة على استغلال أنصاف الفرص.
ويقولُون أيضًا: إنَّ المنتخب السعوديَّ يمتلكُ عناصرَ موهوبةً، وروحًا قتاليَّةً معروفةً، لكنَّه يدفع أحيانًا ثمن التسرُّع في بناء الهجمة، أو ترك مساحات بين الخطوط، أو فقدان الهدوء بعد استقبال هدفٍ مبكِّرٍ. مثل هذه العوامل تمنحُ المنافسَ فرصةَ السَّيطرة النفسيَّة قبل السَّيطرة الفنيَّة.
فالمنتخباتُ التي تتقدَّم في كأس العالم، لا تعتمد على الحماس وحده، بل على منظومةٍ طويلةٍ تبدأ من الدوري المحليِّ، وتمرُّ بالتكوينِ البدنيِّ والذهنيِّ للاعبِين، وتنتهي بمدربٍ قادرٍ على قراءة المباراة، وتغيير شكل الفريق في الوقت المناسب. لذلك لا ينبغي أنْ تُقرَأ الخسارة السعوديَّة كفشلٍ مطلقٍ، بل كإنذارٍ مفيدٍ: لا يكفي أنْ نملك الشَّجاعة، بل يجب أنْ نملك خطَّة بديلة، وشخصيَّة قادرة على امتصاص الضغط، ولاعبين يعرفُون كيف يديرُون الدقائق الصَّعبة.
في المقابل، جاء فوزُ مصرَ وتأهلهَا إلى دور الـ16؛ ليصنع حالةً معنويَّةً هائلةً لدى الجماهير المصريَّة والعربيَّة. فالتأهُّل في بطولة بهذا الحجم لا يعني مجرَّد عبور مرحلة، بل يعني أنَّ المنتخب استطاع أنْ يثبت حضوره بين كبار العالم، وأنْ يبعث برسالة واضحة: الانضباط الدفاعي، والرُّوح الجماعيَّة، والإيمان بالفرصة حتَّى اللَّحظة الأخيرة يمكن أنْ تصنع الفارق. وقد بلغ المنتخبُ المصريُّ هذا الدور، بعد فوزه على أستراليا بركلات التَّرجيح 4-2، عقب انتهاء الوقتين الأصليِّ والإضافيِّ بالتعادل 1-1؛ ليضرب موعدًا مع الأرجنتين في مواجهةٍ كُبْرى.
في النهاية، يعلِّمنا المونديالُ أنَّ الهزيمة ليست عارًا إذا تحوَّلت إلى درسٍ، وأنَّ الفوز ليس مجرَّد نتيجة، إذا فتح بابَ الحلم. المنتخب السعودي يحتاج إلى مراجعة هادئة، تبني على الموهبة، وتصحح الأخطاء، وتمنح الاستثمار في الفئات السنية والأكاديميات الرياضية مكانته المستحقة. وهنا أتذكَّر ما كتبه الدكتور عبدالله دحلان في مقالته «الأكاديميَّات الرياضيَّة.. الطريقُ الأفضلُ لصناعة أبطال المستقبل»، فصناعة المنتخبات لا تبدأ من صافرة الحكم، بل من سنوات طويلة من التَّخطيط، والتَّدريب، والانضباط، والإيمان بأنَّ البطل لا يولد في يوم المباراة، بل يُصنع قبلها بوقتٍ طويلٍ.
وبين حزن الخسارة، وفرح التأهُّل، يبقى المونديالُ درسًا عربيًّا مفتوحًا: أنَّ العاطفة وحدها لا تكفي، وأنَّ الجماهير التي تحبُّ منتخباتها تستحقُّ عملًا طويلَ النَّفَس، يليق بحلمها، ويحوِّل لحظات الفرح العابرة إلى إنجازاتٍ قابلة للتكرارِ.

أخبار ذات صلة

ملاعب كأس العالم
السافانا السوداء
سنارة «مرزوقة» البحرية!!
مشاهدات الأسبوع
;
سؤال تأخَّر كثيرًا : ماذا يشاهد أطفالنا كل يوم؟
البيت الأبيض: آلو.. الفيفا!!
أرباح سكوت المغردين
ما الذي يُرضينا؟
;
حين يكتب القلب قبل القلم
مجلة «فضاءات إستراتيجية».. حين تصبح المعرفة قوة
آداب الحوار.. أم تكميم الأفواه!؟
وهم الاستحقاق الزائف !
;
الدكاكين.. وحملات التوطين
الأوقاف بين ذاكرة مكة ورؤية الرياض
من القُرصان إلى العقيلات
ما هي أدنى درجات الرزق؟