
في الثالث والعشرين من سبتمبر، تلتقي في جدَّة مناسبتَان عزيزتَان: ذكرى اليوم الوطنيِّ للمملكة، وانطلاق كأس الخليج العربيِّ. تزامنٌ يستحقُّ التوقُّف عنده، فالسعوديُّون يحتفلُون بوطنِهم، والأشقَّاءُ من دول الخليج يحضرُون بمنتخباتِهم وجماهيرِهم وأعلامِهم ولهجاتِهم؛ لتأخذ المناسبةُ الوطنيَّةُ بُعدًا اجتماعيًّا جميلًا، وتدخلُ البطولةُ الخليجيَّةُ إلى مدينة تعيشُ احتفالها الكبير، ولستُ أدري إنْ كانَ بالإمكان اختيار موعدٍ يحملُ كلّ تلك الدِّلالات لو جلسنا نبحثُ عنها! فاليومُ سعوديٌّ، والبطولةُ
كتبتُ عن الاختناقاتِ المروريَّة من قبل ومن بعد، وأعودُ إليها مع إشراقة مقالِ الخميس، لا لأُكرِّر ما سبق، وإنَّما لأنَّ بعض المشاهد تفرضُ على الكاتب العودة إليها، مع اتِّساع دائرة المتأثِّرين بها. وأنا أكتبُ عن هذا الملفِّ، لا أغفلُ الجهودَ الكبيرة التي تبذلُها الجهاتُ المعنيَّةُ، ولا أضعُ «الملحوظة الصحفيَّة» في مواجهة تلك الجهود. أعرفُ أنَّ كثيرًا من الجهات تتابعُ ما يُطرح إعلاميًّا، وتأخذ الملحوظات الجادَّة بعين الاهتمام، وأحسب أنَّ الكاتب الصحفيَّ في نهاية الأمر شريكٌ بالملحوظة، يرى من موقعه
كتبتُ عن التَّعليم أكثرَ من مرَّة، وربَّما أعودُ إليه كثيرًا لا من موقع المُتخصِّص، فأنا لستُ كذلك، وإنَّما من موقع المُواطن أوَّلًا، والصحفيِّ الذي أتاحت له المهنة أنْ يلتقي مسؤولِينَ وتربويِّينَ وأصحابَ خبرةٍ، وأنْ يستفيد من تجاربهم، ثمَّ يضع ما يسمعُه إلى جوار ما يراه النَّاسُ في حياتهم اليوميَّة. وأنا ضدُّ التَّعميم، كما لا أرى من الإنصاف أنْ نتجاوز ما تنجزه وزارةُ التَّعليم وإداراتها من عمل ومشروعاتٍ وتطويرٍ وبين الصُّورة الواسعةِ والتجربةِ اليوميَّة توجد تفاصيل تستحقُّ أن تُطرح للنقاش.
لا يحتاجُ العامُ الدراسيُّ في بدايته إلى كثيرٍ من الكلام، فالاستعداداتُ معروفةٌ، والجهودُ التي تبذلُها وزارةُ التَّعليم والجهاتُ المساندة ظاهرةً، وحجمُ المنظومة وحده يكفي لمعرفة مقدار العمل الذي يسبقُ دخول ملايين الطُّلاب والطَّالبات إلى مدارسهم، لكنَّني أتوقَّف عند أشياء أُخْرى، قد تبدُو صغيرةً إذا قِيست بحجم التَّعليم، لكنَّها ليست صغيرةً عند مَن يواجهها في يومه. طالبةٌ تدخل مدرستها صباحًا وهي بخيرٍ، وبعد ساعاتٍ تشعر بالتَّعب، تتَّصلُ المدرِّسة بوليِّ أمرها؛ ليحضر، وهنا تبدأ التَّفاصيل من
استوقفتني في الفترة الأخيرة بعض «البثوث المباشرة» في منصات التواصل ليس بسبب ما يقال فيها وإنما بسبب السؤال الذي تتركه بعد مشاهدتها: كيف استطاع الفراغ أن يتحول إلى محتوى ثم إلى جمهور ثم إلى مصدر دخل؟ تدخل إلى أحد هذه «البثوث» فتجد أربعة أشخاص وربما أكثر لا يجمع بينهم موضوع محدد. اختلاف في الأعمار والبيئات وطريقة الحديث وساعات طويلة من الكلام المتنقل بين المزاح و»التقطقة» و»المناكفات» والإيحاءات، فيما تتحرك أرقام المشاهدات والهدايا على الشاشة وكأن وجود الجمهور في ذاته دليل كاف على وجود شيء يستحق
رَحِمَ اللهُ موتانا وموتى المسلمين، وجبرَ قلوبَ كلِّ من فَقَدَ عزيزًا، فالموت أكثر حقائق الحياة يقينًا، وأكثرها غموضًا في الوقت نفسه. نعرف أنَّه آتٍ، ولا يعرف أحدٌ منا موعده، ونمضي في حياتنا بين عمل وطموح، ومال ومكانة، وخلافات صغيرة وكبيرة، ثمّ تأتي لحظة واحدة تسقط أمامها كلُّ هذه التفاصيل. ولعلَّ لهذا السبب بقي للعزاء في مجتمعاتنا شيء من الهيبة، التي لا تحتاج إلى تعليمات النَّاس، تعرف بالفطرة أنَّها تدخل مكانًا مختلفًا، فيه أسرة فَقَدَتْ واحدًا منها، وفيه اسم كان قبل أيَّام بين الأحياء، وصار
سبق أنْ تناولتُ في هذه الصَّحيفة ملفَّ الدرَّاجات الناريَّة المخصَّصة لخدمات التوصيل، وكتبتُ يومها أنَّ هذا النشاط، الذي فرضته متغيِّراتُ الحياة اليوميَّة، يحتاجُ إلى تنظيمٍ يواكبُ توسُّعه، ويحفظ سلامة الجميع، وخلال الفترة الماضية شهدنا خُطُواتٍ تنظيميَّةً مهمَّةً من الجهات المختصَّة، وفي مقدِّمتها وزارة البلديات والإسكان، إلى جانب جهود الجِهات الأُخْرى ذات العلاقة، وهو عملٌ يستحقٌّ التقديرَ؛ لأنَّ تنظيم هذا القطاع لم يعدْ خيارًا مع اتِّساع الاعتماد عليه في المُدن. لكنَّ المشهدَ الذي مرَّ أمامي
من أكثر المفارقات حضورًا في الحياة، أنَّ الفراغ الداخلي لا يبقى ساكنًا، وإنَّما يبحث دائمًا عن وسيلة يختبئ خلفها، قد يجدها بعضهم في (المال)، وقد يجدها آخرُون في (الشُّهرة)، وقد يفتِّش غيرُهم عن لقب يسبق اسمه، أو منصب يُقدَّم به في كلِّ مجلس، ظنًّا أنَّ القيمة يمكن أنْ تُكتسب من الخارج، وأنَّ احترام النَّاس يُصنع ببطاقة تعريف أو مقعد إداريٍّ. الإنسانُ الواثقُ من نفسه لا يحتاج إلى أنْ يذكِّر الآخرِين بقيمته في كلِّ مناسبة؛ لأنَّ حضوره يسبقه عمله، ويشهد له أثره، وتقدِّمه منجزاته، أمَّا مَن يعيش
أنْ نقرأ الحدث في لحظته شيءٌ، وأنْ نفهم معناه بعد اكتماله شيءٌ آخرُ! فكثير من الوقائع تمرُّ أمامنا في صورة عاديَّة، ثم تعود بعد أيام أو أعوام محمَّلة بمعنى لم ننتبه إليه. نخطط، ونرتب، ونضع النهايات وفق ما نراه، ثم تسلك الحياة طريقًا لم يكن حاضرًا في حساباتنا، فنكتشف أنَّ مساحة ما نعرفه أقل بكثير من مساحة ما خفي عنَّا. ولستُ من هواة تحميل كل واقعة أكثر ممَّا تحتمل، غير أنَّ التأمل في الأحداث يمنح الإنسان فرصة لفهم محدودية نظرته، ويؤكد أنَّ ما يبدو ثابتًا اليوم قد تتغير صورته غدًا بأمر الله.
البالونُ لا يكبرُ وحده، يحتاجُ إلى مََن ينفخُ فيه، وكذلك كثيرٌ من الأحداث في حياتنا، تبدأ صغيرةً، محدودةً، واضحةَ الملامحِ، ثمَّ تجد مَن يضيفُ إليها كلمةً، وآخرَ يضيفُ احتمالًا، وثالثٌ يزيِّنها بتوقُّع، ورابعٌ يُقسمُ أنَّه يملكُ المعلومة الكاملة، فلا تلبث أنْ تغادر حجمها الطبيعيَّ، وتتحوَّل إلى قصَّة يتداولها الجميعُ، رغم أن أصلها لا يتجاوز دقائقَ معدودةً أو موقفًا عابرًا. هذه العادة ليست جديدةً، لكنَّها اتَّسعت مع سرعة تداول الأخبار، وكثرة المجالس، ووسائل التَّواصل. بعض النَّاس لا يشعرُ بقيمة
تابعتُ باهتمامٍ ما نُوقش في مجلس الشُّورى بشأن مطالبة هيئة الاتِّصالات والفضاء والتَّقنية بوضع ضوابط للتحقُّق العُمريِّ، وفرض قيود على استخدام منصَّات التواصل الاجتماعيِّ لمَن هم دون سن السادسة عشرة. الفكرةُ ليست جديدةً، فقد سبقت إليها دولٌ عدَّة، ولكل منها تجربتها في الحدِّ من وصول الصِّغار إلى المحتوى غير المناسب، لكن قبل أنْ ننتظر نتائج هذه المطالبة، ربَّما يجدر بنا أنْ نتوقَّف عند سؤالٍ أبسطَ: ماذا يشاهدُ مَن هُم دونَ السادسة عشرة اليوم؟ الإجابةُ لم تعدْ تقتصر على مَشَاهد «العُنف»، أو
كلَّما قرأتُ خبرًا عن أسرةٍ اكتشفت بعد شراء منزلها عيوبًا إنشائيّة، أو تصدُّعاتٍ خفيَّةً، عاد بي الزَّمنُ سنوات إلى الوراء، بعضُ الجروح لا يداويها الوقتُ، وإنَّما يوقظهَا خبرٌ جديدٌ، أو ضحيَّةٌ جديدةٌ، أو أسرةٌ وجدت نفسها أمام حلمٍ تحوَّل إلى قضيَّة في أروقة المحاكم. قبل أيَّام تداولت وسائلُ الإعلام خبرًا، عن «ملَّاك شقق سكنيَّة» اكتشفُوا عيوبًا خفيَّةً وتصدُّعاتٍ في مشروع سكنيٍّ، بعد أنْ دفعُوا مدَّخرات أعمارِهم مقابل منزل ظنُّوه بداية الاستقرار، فإذا به بداية معاناة جديدة، الخبرُ ليس الأوَّل،
توقَّفتُ قبل أيَّام عند مقطعٍ لرجلٍ من شمال المملكة، اعتدتُ أنْ أشاهدَ بعضَ يوميَّاته البسيطة، لا أعرفه شخصيًّا، ولم أتابعه بحثًا عن محتوى مختلف، أو أفكار استثنائيَّة، ربَّما لأنَّ ما يقدِّمه يشبهُ الحياة كما هي، دون إضافات كثيرة، رجل يتحدَّث عن أسرته وأبنائه وأيَّامه العاديَّة، وكأنَّ الكاميرا مجرَّد شاهد عابر على تفاصيل يومه. في ذلك المقطع لم يكن يتحدَّث عن قضيَّة عامَّة، أو شأنٍ يشغل النَّاس، كان يتحدَّث عن زيارة الأقارب، حديث بسيط جدًّا، إلى درجة أنَّ كثيرِين قد يمرُّون عليه دون أنْ
أثارت التحذيراتُ الأخيرةُ الصَّادرةُ من وزارة الصحَّة بشأن إيقاف بعض المرضى لأدويتهم، والاعتماد على وصفات وأنظمة غذائيَّة متداولة عبر منصَّات التواصل، تساؤلات تتجاوز وصفةً محدَّدةً، أو حالةً بعينها، إلى العلاقة المتغيِّرة بين الإنسان والمعلومة الصحيَّة، في زمن تتعدَّد فيه المصادرُ، وتتسارع فيه الرسائلُ. ولعلَّ أوَّل ما يتبادر إلى الذِّهن، هو ذلك المريض الذي يستيقظ كلَّ يوم على جرعات دوائيَّة متكرِّرة، مواعيد طبيَّة متلاحقة، تحاليل لا تنتهي! هذا الإنسان لا يبحثُ عن المغامرة، ولا يفكِّر في مخالفة
بعد أيامٍ تبدأ الاختبارات النهائيَّة، ويبدأ معها موسمُ القلق والاستعداد والمراجعة، ومع كلِّ عام يعود سؤالٌ يتردَّد في المجالس، ووسائل التواصل: هل ما زال توقيتُ الاختبارات مناسبًا في ظلِّ درجات الحرارة المرتفعة، التي تشهدها مناطق كثيرة من المملكة؟ هذا السؤال ليس جديدًا، فقد طُرح مِرارًا من تربويِّين، وأولياءِ أمور، وكتَّاب، خاصَّةً أنَّ بعض الطلاب والطالبات يغادرُون منازلهم ويعودُون إليها في أجواء صيفيَّة قاسية. ومن الإنصاف القول إنَّ التَّعليم في المملكة شهد خلال السنوات الماضية، قفزاتٍ كبيرةً
من الأشياء التي أحرصُ عليها دائمًا، أنْ أستمع إلى أصحاب الخبرة، وأنْ أستفيد من التجارب الناجحة أينما كانت. فالعلمُ ليس له جنسيَّة، والخبرة المتميِّزة تستحقُّ التَّقدير مهما كان مصدرها، ولهذا كنتُ -ومازلتُ- أؤمنُ بأهميَّة الانفتاح على التجارب العالميَّة والعربيَّة، والاستفادة منها متى ما كانت تضيف قيمةً حقيقيَّةً. لكنَّ هناك فرقًا بين الاستفادة من الخبرات، وبين تجاهل ما نملكه من كفاءات وطنيَّة قادرة على أداء المهمَّة بكفاءة واقتدار، هذا الشعور يتكرَّر لديَّ كلَّما اقتربتُ من بعض الملفَّات
تحدَّثنا كثيرًا، وكتبنا أكثرَ من مرَّة عن السِّياحة، باعتبارها أحد أهم القطاعات التي تراهن عليها المملكةُ في حاضرها ومستقبلها، ليس فقط كرافدٍ اقتصاديٍّ ضخمٍ، وإنَّما كصناعة وطن كاملة، ترتبط بجودة الحياة، وفرص العمل، والصورة الذهنيَّة للمكان والإنسان. وفي كلِّ مرَّة نعود فيها للحديث عن هذا القطاع، نجد أنَّ المشهد يتغيَّر بسرعة، والأرقام تتقدَّم والمواسم تتوسَّع، والطموح يكبرُ بصورة تدعُو للفخر، ولهذا لا يمكن لأيِّ مُنصفٍ أنْ يتجاوز حجم العمل الذي يقوده معالي وزير السِّياحة الأستاذ أحمد الخطيب،
في كلِّ موسم حجٍّ، لا تتحرَّك الوفودُ وحدها نحو المشاعر المقدَّسة، هناك أيضًا وفودٌ أخرى تصلُ محمَّلة بالكاميرات، والعدسات، وأجهزة البث، جاءت من مختلف أنحاء العالم؛ لتروي الحكاية، والحقيقة أنَّ الحجَّ لم يكنْ يومًا مجرَّد موسمٍ تعبديٍّ فحسب، وإنَّما مساحة هائلة تمشي فيها الإنسانيَّةُ كلها تحت مظلَّة واحدةٍ، ولهذا تبدُو الكلمة هنا مختلفة، أكثر حساسيَّة -وأكثر مسؤوليَّة- وأكثر حضورًا أمام الله قبل النَّاس. الحجُّ بالنسبة للإعلاميِّ ليس زحام مشاهد فقط، ولا سباق نقل، ولا محاولة اقتناص مقطع يحقِّق
بعد سنواتٍ من المتابعة، ومن تجربةٍ ميدانيَّةٍ مباشرةٍ في تدريبِ خرِّيجي الإعلام، تتشكَّل صورة تحتاجُ إلى قدرٍ من الصراحة، فالمشهدُ تغيَّر، والأدواتُ تبدَّلت، والوصولُ إلى المنصَّات أصبح متاحًا للجميع، لكنَّ السؤال الذي يفرضُ نفسه: هلْ تطوَّر الإنسانُ بذات الوتيرة التي تطوَّرت بها الوسيلةُ؟ الإعلامُ اليوم، لم يعد حكرًا على قاعات التحرير، أو استوديوهات البث، الهاتف وحده قادرٌ على نشر محتوى يصل إلى آلاف، وربما ملايين، وهذا الاتِّساع منح الفرصة، لكنَّه في الوقت ذاته كشف الفجوة، الفجوة ليست في
يروي صديقٌ عزيزٌ تجربةً عابرةً داخل أحد المتاجر في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، رجلٌ مسنٌّ يدخل بهدوءٍ، لا يحملُ الكثير، ولا يطلبُ سوى مساعدة بسيطةٍ، لم يكن المشهد استثنائيًّا، لكنَّه كان مكتملًا: اهتمام، هدوء، احترام.. وعمل يُؤدَّى كمَا ينبغي. لم تتوقَّف الفكرةُ عند حدود الخدمة ذاتها، وإنَّما في الرُّوح التي تُقدَّم بها، وفي ذلك الإحساس الداخليِّ بأنَّ لكلِّ مهنة قيمتها، وأنَّ مَن يؤدِّيها يدركُ أثرها قبل مردودِهَا. نعودُ إلى تفاصيلنا اليوميَّة.. إلى المحالِّ الصَّغيرة، إلى مهنٍ نمرُّ بها