كتاب

في معدتي.. جرثومة!!

بعدَ أعراضٍ معويَّةٍ مُزعِجةٍ للغاية، وبعدَ إجراءِ بعض الفحوصات والتَّحاليل، أخبرنِي طبيبِي أنَّ في معدتِي كمًّا قليلًا إيجابيًّا من الجرثومةِ الحلزونيَّة، المعروفة بجرثومةِ المعدة، وأنَّ عليَّ معالجتها فورًا قبل تكاثرِها وتسبُّبِها في نشوءِ قروحٍ خطيرةٍ!.
وفي الحقيقة: لم أكنْ أتوقَّع أنَّ مخلوقًا لا يُرى بالعَين المجرَّدة قد أدخلنِي في دوَّامةٍ من التفكير، ولديَّ كذلك وسواسٌ مُزمنٌ فيما يخصُّ الأمراض، وها هو قد جلب لي القلقَ، والتردُّدَ بين تناول الوصفات الشَّعبيَّة، وبين العلاج بالمضادات الحيويَّة، التي تُؤخذ بالفم مع ما فيها من آثارٍ جانبيَّةٍ قويَّةٍ تأكلُ الأخضرَ واليابسَ، أو أخُذها عن طريق الوريد، وهو ما فضَّلته على كلِّ حالٍ!.

وبيني وبينكم، وبمجرَّد سماعي عبارة (لديكَ جرثومةُ المَعدةِ)، بدأ شيطانُ الوساوسِ يرسمُ لي صورًا أخطر من الحقيقة، ويُصوِّر الجرثومة كجيشٍ جرَّارٍ، لا بكتيريا يمكنُ معالجتها وهزيمتها -بإذن الله-!.
والذي ضرَّني أكثر، هو ما يتداوله النَّاسُ حول الجرثومةِ في مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، وقد وجدتُ مَن طمأننِي، ومَن أفزعنِي، ومَن جعلنِي أظنُّ أنَّ معدتي أصبحتْ ساحةَ حربٍ لا تنتهي!.

غير أنَّ المرض أستاذُ دكتوراة، لا يجيدُ الكلامَ بقدر ما يجيد شرحَ دروسه بالصَّبر، وقد ذكَّرنِي أنَّ الصحَّة نعمةٌ صامتةٌ لا يلتفتُ إليها الإنسانُ إلَّا إذا انتكست، وما أكثر الأيام التي مررتُ بها وأنا أتناولُ الطَّعام وأشربُ الماءَ والشَّاي والعَصير وأنامُ مطمئنًا، دون أنْ يخطر ببالي أنَّ هذه التفاصيل الصَّغيرة هي من أعظم نعم الله على بني الإنسان!
ومع مرور أيَّام تلقِّي العلاج الوريدي، اكتشفتُ أنَّ العلاج ليس دواءً فحسبْ، بل هو ثقةٌ باللهِ، ثمَّ التزامٌ بتوجيهِ الطَّبيب، وصبرٌ حتى تُؤتي الأسبابُ ثمارَهَا، فالشفاءُ لا يأتي بضغطةِ زرٍ، بل يأتي متدرِّجًا مثل الفجرِ الذي يُبدِّد الظَّلام قليلًا.. قليلًا!.
وتعلَّمتُ أيضًا أنَّ القلقَ يرهقُ المعدةَ أكثر ممَّا ترهقها الجرثومةُ، وأنَّ الاطمئنان بأسبابهِ المتمثِّلة في تلاوة القرآن الكريم ليس رفاهيةً، بل جزءٌ من رحلة التَّعافي. وكلَّما قلَّ الخوفُ، عادَ الجسدُ إلى شيءٍ من توازنه، وما أحلاه من توازنٍ!.
واليوم، وأنا أرَى التحسُّن يتسلَّل لمعدتِي بهدوءٍ، أحمدُ اللهَ قبل كلِّ شيءٍ، فقد كانت الجرثومةُ سببًا في مراجعتي لكثيرٍ من عاداتي الغذائيَّة السيِّئة، وأنْ أقدِّر نعمة العافية أكثر ممَّا كنتُ أفعل، وأنْ أوقنَ أنَّ الإنسانَ مهما بلغ من قوَّة يبقى ضعيفًا أمام أصغر خلق الله، ولا يملكُ إلَّا أنْ يرفع يديه إلى السَّماء قائلًا: اللَّهُمَّ أَدِمْ عليَّ نعمةَ الصحَّةِ والعَافيةِ، ولا تُرنِي فِي نفسِي وفيمَن أحبُّ مَكرُوهًا!.
لقد كانت الجرثومةُ صغيرةً، لكنَّها تركت في نفسي درسًا كبيرًا لا أنساهُ، والحمدُ للهِ حتَّى يبلغَ الحمدُ منتهَاهُ.

أخبار ذات صلة

العافية.. هي المُلك الخفي
نجران.. ترفض اعتداءات الحوثيين
اتفاقية مكة.. قوة تحمي الاستقرار
مسيــــــرات
;
الشرق الأوسط.. بين منطق التصعيد وفرص إعادة الاستقرار
إنجازاتي الشخصية
آلية لما بعد (الفاصلة)!
فلسفة العبث عند "ألبير كامو"
;
مؤتمر يالطا (1945م)
هل انتهى عصر الجامعات التقليدية؟
العشم الذي تجاوز حدوده!
المرأة في المسجد النبوي.. شريكٌ في صناعة الأثر
;
عندما تتحول الفكرة إلى ثروة وطنية
تقديس الموتى.. والاعتزاز بالتراث!!
«الإعلام الرسمي».. مؤسسات سيادية لا تقبل الاجتهاد
ساهر التحكيم.. شكراً!!