كتاب
عشة الطين.. حيث بدأت
تاريخ النشر: 22 أغسطس 2026 23:46 KSA
هناك أماكنُ نعيشُ فيها ثمَّ نغادرها، ولا يبقى منها في الذَّاكرة إلَّا اسمُها. وهناك أماكنُ أُخْرى نغادرها، لكنَّها لا تغادرُنَا.
من بين تلك الأماكن، بقيت في ذاكرتي عشَّة صغيرة من الطِّين، كانت في طرف المزرعة، بعيدةً عن العمران. جدرانُها من الطِّين، وسقفُها من جريد النّخل، وأرضُها ترابيَّة. لم يكنْ فيها ماءٌ، ولا أدوات للطَّبخ، ولا شيء تقريبًا من الأشياء التي يحتاجُها الإنسانُ في حياته اليوميَّة. كانت غرفة للمبيت والدِّراسة، أمَّا بقيَّة احتياجات الحياة، فكانت خارجها.
كنتُ أجلسُ ليلًا إلى كتبي، وأشعلُ مصباحًا زيتيًّا صغيرًا. كان الضوءُ محدودًا، والعينُ تتعبُ سريعًا، لكنَّني كنتُ أواصلُ القراءة. لم يكن هناك مَن يطلب منِّي أنْ أدرسَ، أو يسألني متى أنام؟ كنتُ وحدي.
إلى جوار العشَّة كانت مضخةُ ماءٍ لا تتوقَّف عن إصدار صوتِها، وبالقرب منها جدولٌ صغيرٌ. ومع حلول اللَّيل يبدأ نقيقُ الضفادعِ. كنتُ في البداية أتضايقُ من الصَّوت، ثمَّ اعتدته، حتى أصبح بعد سنواتٍ جزءًا من ذاكرة المكان.
وكان بين جريد السَّقف عصافيرُ تبني بيوتها. كنتُ أراها تحملُ عيدانًا صغيرةً، ثمَّ أسمع بعد أيام أصوات فراخها. وحين تبدأ محاولاتها الأُولى للطَّيران، كان بعضها يسقط قبل أنْ يقوى جناحه، فأحمله برفقٍ وأعيده إلى مكانه، ثمَّ أبتعدُ وأتركُ أُمَّه تعود إليه.
لم أكنْ أعرف وقتها لماذا بقيت هذه التفاصيل في ذاكرتي، بينما نسيتُ أشياء كثيرة أخرى. لكنَّني الآن، كلَّما تذكَّرتُ ذلك العصفور الصَّغير، أجد شيئًا منِّي فيه. كان يحاول أنْ يغادر مكانه دون أنْ يعرف إلى أين سيذهب؟! وأنا أيضًا كنتُ أحاولُ أنْ أخرج من المكان الذي بدأتُ فيه، دون أنْ أعرفَ إلى أين ستأخذني الأيام؟!
غادرتُ العشَّة، والتحقت بكليَّة الطِّب. تغيَّر كلُّ شيء حولي، لكنَّني لم أشعرْ أنَّني بدأتُ هناك. كنتُ قد بدأت قبل ذلك بسنوات، في تلك الغرفة الصَّغيرة.
ومرَّت العقودُ، وبقيت العشَّةُ في الذَّاكرة كما هي: مصباحٌ زيتيٌّ، كتبٌ مفتوحةٌ، صوتُ مضخَّةٍ، ونقيقُ ضفادعٍ، وعصافيرُ تعودُ إلى أماكنها عند الغروب.
اختفت العشَّة منذ زمن، وربما لم يبق منها شيءٌ في المكان الذي كانت تقفُ فيه. لكنَّها بقيت في داخلي.
وحين أسألُ نفسي اليوم: مِن أينَ بدأت؟
لا أتذكر أول جامعة، ولا أول مستشفى.
أتذكر عشة من الطين، وشابًّا يجلس إلى كتبه في ضوء مصباح صغير.
لم يكنْ يعرفُ إلى أين سيصل؟!
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنه يريد أن يكمل.
من بين تلك الأماكن، بقيت في ذاكرتي عشَّة صغيرة من الطِّين، كانت في طرف المزرعة، بعيدةً عن العمران. جدرانُها من الطِّين، وسقفُها من جريد النّخل، وأرضُها ترابيَّة. لم يكنْ فيها ماءٌ، ولا أدوات للطَّبخ، ولا شيء تقريبًا من الأشياء التي يحتاجُها الإنسانُ في حياته اليوميَّة. كانت غرفة للمبيت والدِّراسة، أمَّا بقيَّة احتياجات الحياة، فكانت خارجها.
كنتُ أجلسُ ليلًا إلى كتبي، وأشعلُ مصباحًا زيتيًّا صغيرًا. كان الضوءُ محدودًا، والعينُ تتعبُ سريعًا، لكنَّني كنتُ أواصلُ القراءة. لم يكن هناك مَن يطلب منِّي أنْ أدرسَ، أو يسألني متى أنام؟ كنتُ وحدي.
إلى جوار العشَّة كانت مضخةُ ماءٍ لا تتوقَّف عن إصدار صوتِها، وبالقرب منها جدولٌ صغيرٌ. ومع حلول اللَّيل يبدأ نقيقُ الضفادعِ. كنتُ في البداية أتضايقُ من الصَّوت، ثمَّ اعتدته، حتى أصبح بعد سنواتٍ جزءًا من ذاكرة المكان.
وكان بين جريد السَّقف عصافيرُ تبني بيوتها. كنتُ أراها تحملُ عيدانًا صغيرةً، ثمَّ أسمع بعد أيام أصوات فراخها. وحين تبدأ محاولاتها الأُولى للطَّيران، كان بعضها يسقط قبل أنْ يقوى جناحه، فأحمله برفقٍ وأعيده إلى مكانه، ثمَّ أبتعدُ وأتركُ أُمَّه تعود إليه.
لم أكنْ أعرف وقتها لماذا بقيت هذه التفاصيل في ذاكرتي، بينما نسيتُ أشياء كثيرة أخرى. لكنَّني الآن، كلَّما تذكَّرتُ ذلك العصفور الصَّغير، أجد شيئًا منِّي فيه. كان يحاول أنْ يغادر مكانه دون أنْ يعرف إلى أين سيذهب؟! وأنا أيضًا كنتُ أحاولُ أنْ أخرج من المكان الذي بدأتُ فيه، دون أنْ أعرفَ إلى أين ستأخذني الأيام؟!
غادرتُ العشَّة، والتحقت بكليَّة الطِّب. تغيَّر كلُّ شيء حولي، لكنَّني لم أشعرْ أنَّني بدأتُ هناك. كنتُ قد بدأت قبل ذلك بسنوات، في تلك الغرفة الصَّغيرة.
ومرَّت العقودُ، وبقيت العشَّةُ في الذَّاكرة كما هي: مصباحٌ زيتيٌّ، كتبٌ مفتوحةٌ، صوتُ مضخَّةٍ، ونقيقُ ضفادعٍ، وعصافيرُ تعودُ إلى أماكنها عند الغروب.
اختفت العشَّة منذ زمن، وربما لم يبق منها شيءٌ في المكان الذي كانت تقفُ فيه. لكنَّها بقيت في داخلي.
وحين أسألُ نفسي اليوم: مِن أينَ بدأت؟
لا أتذكر أول جامعة، ولا أول مستشفى.
أتذكر عشة من الطين، وشابًّا يجلس إلى كتبه في ضوء مصباح صغير.
لم يكنْ يعرفُ إلى أين سيصل؟!
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنه يريد أن يكمل.