كتاب

«إحسان».. ترسم مستقبل العمل الخيري

يشكِّل الأمرُ الملكيُّ الكريمُ الصَّادرُ عن خادمِ الحرمَين الشَّريفَين الملكِ سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بتحويل منصَّة (إحسان) إلى مؤسَّسة مستقلَّة غير ربحيَّة باسم (مؤسَّسة إحسان للعمل الخيريِّ)، محطَّة جديدة في مسيرة العمل الخيريِّ والتنمويِّ السعوديِّ، حيث يعكسُ حجم الثِّقة التي اكتسبتها المنصَّةُ خلال السَّنوات الماضية، بعد أنْ أصبحت إحدى أبرز التجارب الوطنيَّة في توظيف التَّقنية؛ لضمان وصول التبرُّعات إلى مستحقِّيها؛ وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافيَّة.
وتكمن أهميَّة القرار في أنَّه يعني الانتقال إلى مرحلة أكثر نُضجًا واستدامةً؛ لأنَّه يمنح المؤسَّسة مساحةً أوسعَ للحركة والتوسُّع والابتكار، كما يتيح لها مرونة أكبر في تطوير المبادرات والبرامج والخدمات واستقطاب الشراكات النوعيَّة، ويعزِّز أدوات الحوكمة المؤسسيَّة التي تضمن استمرار النجاح على المدى الطويل. كما أنَّ الاستقلاليَّة المؤسسيَّة تمنح الكيان الجديد قدرةً أكبر على مواكبة التطوُّرات المتسارعة، التي يشهدها القطاعُ غيرُ الربحيِّ محليًّا وعالميًّا، وتوفِّر له أدوات أكثر فاعلية لقيادة التحوُّل الرقميِّ في العمل الخيريِّ السعوديِّ.

وقبل الإسهاب في شرح دلالات القرار والتوقُّعات المرجوَّة، تجدر الإشارة للنجاحات المتعدِّدة التي حقَّقتها المنصَّةُ خلال السنوات الخمس من تاريخها، فقد نجحت بامتياز في ضمان وصول التبرُّعات إلى مستحقِّيها؛ وفق منظومة عمل رقميَّة متطوّرة ومتقدّمة تعتمد على البيانات والتقنيات الحديثة والحوكمة الصارمة، حتى أصبحت رمزًا للعطاء، واستقطبت ملايين المتبرِّعين من الأفراد، والشركات، ومؤسَّسات القطاعين العام والخاص.
بذلك نالت (إحسان) ثقة الجميع؛ ممَّا دفع القيادة الرَّشيدة لإصدار القرار الجديد الذي يتوقَّع أنْ يسهم في تعزيز دورها كمظلة وطنيَّة؛ تجمع جهود التبرُّع والعمل الإنسانيِّ. كما أنَّ مهمتها لنْ تنحصر بالتأكيد على تشغيل استقبال التبرُّعات، وستتحوَّل إلى مركز وطنيٍّ متكامل لتطوير بيئة العطاء، وتحفيز الابتكار في مجالات الخير، ودعم المنصَّات والبرامج غير الربحيَّة المعنيَّة بالتبرُّعات، والمساهمة في توحيد الجهود التقنيَّة والفنيَّة المرتبطة بالتنمية الاجتماعيَّة والخيريَّة.

وللحديث عن نجاح (إحسان)، تكفي الإشارة إلى أنَّها استطاعت خلال خمس سنوات فقط استقبال ما يزيد على 440 مليون عملية تبرع، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 17 مليار ريال، وتوجيهها نحو مستحقيها بكل كفاءة واقتدار. وهذه الأرقام لا تعكسُ فقط حجم التبرُّعات، وإنما تعكس قبل ذلك حجم الثقة المجتمعيَّة التي نجحت في بنائها، فالمتبرِّع أصبح أكثر اطمئنانًا إلى أنَّ تبرُّعه سيصل إلى مستحقه عبر قناة رسميَّة موثوقة، وأنَّ الأموال التي يقدِّمها ستوظَّف في الأهداف المخصَّصة لها؛ وفق آليات خاضعة للرقابة والمتابعة.
أمَّا النجاح الأكبر الذي حقَّقته؛ فهو معالجة أبرز مشكلة كانت تواجه العمل الخيري في السابق، وهي منع استغلال المشاعر الإنسانيَّة في عمليات جمع أموال بطرق غير نظاميَّة أو غير موثوقة. فبعض التبرُّعات كانت تُجمع عبر قنوات فرديَّة يصعب التحقق من وجهتها أو مراقبة أثرها الفعليِّ.
وخلال هذا الوقت الذي يشهد فيه القطاعُ غيرُ الربحيِّ نموًّا متسارعًا مدعومًا برُؤية 2030، فإنَّ القرار الملكيَّ الجديد يكتسب أهميَّة إضافيَّة. فالرُّؤية المباركة تعتبر العمل الخيريَّ رافدًا تنمويًّا يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعيِّ ورفع جودة الحياة، وتمكين المجتمعات المحليَّة، وليس مجرد نشاط تقليديٍّ محدودِ الأثر.
لذلك يتوقَّع من المؤسَّسة أنْ ترسِّخ مفاهيم العمل الطوعيِّ والخيريِّ وزيادة حوكمته؛ حتَّى تحقيق الأهداف المرجوَّة، فالمملكة أثبتت مكانتها منذ عقود طويلة كأكبر الدول الداعمة للأعمال الإغاثيَّة والتنمويَّة والإنسانيَّة في العالم، سواء عبر المؤسَّسات الرسميَّة، أو المبادرات المجتمعيَّة، أو البرامج الخيريَّة المختلفة. فالعطاءُ وفق المفهوم السعوديِّ لا يقتصر على تقديم المساعدات، وأصبح منظومات مؤسسيَّة متكاملة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقِّق أعلى درجات الكفاءة والشفافيَّة والاستدامة.
ولأنَّ قيادة هذه البلاد المباركة تمثِّل القدوة الحَسَنة لمواطنيها، فقد رأينا كيف أنَّ أبناء الشعب السعوديِّ يتسابقُون في ميادين العمل الخيريِّ، ويسارعُون لنجدة المستغيثِ، ومساعدةِ المحتاجِ، وإغاثةِ الملهوفِ، لذلك استحقَّت بجدارة لقب (مملكة الإنسانيَّة) الذي أطلقه عليها الآخرُون؛ عرفانًا بعطائها، وتقديرًا لجهودها الخيِّرة المتواصلة في مجالات العمل الإنسانيِّ.

أخبار ذات صلة

وأحسنْ وإنْ لم تلقَ إحسانًا
كَلبشــــــة
لماذا يكرهون الأرجنتين؟!
توحيد التحصيل
;
المدير الرمادي
كوبونات شرائية (للمتفوقين)!
ماذا فعلت بي 30 دقيقة من المشي؟!
العقل المفكر والذكاء الاصطناعي وعمارة الأرض
;
د. حنان بلخي.. كفاءة سعودية نحو قيادة الصحة العالمية
«إكرام» و«المجدوعي».. درس في صناعة الكرامة
الناس والوقت
العقول الأكاديمية.. ثروة الجامعات الحقيقية
;
إنشاء خط التابلاين وأثره
البيئة تصنع الفرق
«الشعر».. مرَّة أُخرى
خطبة الجمعة.. كمنبرٍ إعلامي