كتاب

فيروز والرحبانية.. صوت الذاكرة والوطن

ليست السيدة (فيروز) مطربةً كبيرةً فحسب، بل هي ذاكرةٌ وجدانيَّةٌ مشتركةٌ تسكنُ ملايين العَرب. امتلكَ صوتُها صفاءً آسرًا، وحنانًا عميقًا، وقدرةً نادرةً على تجسيد الحُبِّ والفَرحِ والحَنينِ والأَسَى والدُّعاء، من دون أنْ يفقد خصوصيَّته.
وازدهرت موهبتُها الفريدة، ولا سيَّما قدرتها على الغناء بـ»الصَّوت المستعار»، في لقائها التَّاريخيِّ بالأخوين عاصي ومنصور الرحبانيَّين، وبألحانهما المجدِّدة وكلماتهما الشعريَّة الحالمة. فأثمرَ ذلك اللقاءُ مشروعًا فنيًّا متكاملًا، أعاد تعريف الأغنية اللبنانيَّة، وانتشر أثره سريعًا وعميقًا في الثقافة العربيَّة.

واستلهم الرحبانيَّة عالمهم من البيئة اللبنانيَّة؛ فالضَّيعة غدت رمزًا للبساطةِ المهدَّدة، والبيت معنًي للأمان والذاكرة، والأرض صورةً للانتماء، والعودة حلمًا في مواجهة الغياب والمنفى. وأضحت الطبيعةُ شريكًا في الحكاية الغنائيَّة: نسيم يأتي «من مفرق الوادي»، وسبل تمتدُّ من «جسر اللوزيَّة» إلى «طريق النحل»، وحنين يأخذُ «جيران القمر» السهارى «من عزِّ النَّوم».
لم تعتمد (فيروز) على الاستعراض الصوتيِّ، بل على نقاء الأداء، ودقَّة التعبير، واقتصاد الانفعال، وأناقة الحضور. ولعل سرَّها الأجمل هو ذلك الوقار الذي لازم صوتها وصورتها، فلم تكن بحاجة إلى ضجيجٍ يحيطُ بها، فكانَ صوتُها حضورَها، وفنُّها سيرتَها.

لذلك ظلَّت، على الرغم من شهرتها الهائلة، محتفظةً بمسافة من الغموض، فصوتُها كان يتحدَّث عنها، وعن سيرتها الفنيَّة. تغنِّي الحبَّ من غير ابتذالٍ، والحزنَ من غير نواحٍ، والوطنَ من غير خطابةٍ، والحنينَ من غير أنْ تفقد الكلمات كرامتَهَا.
وفي أعمالها، ناقشت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والوطن والمواطن، والسلطة والعدالة، ومجدَّت الحبَّ والكرامةَ، والحريَّة ومقاومة الاعتداء. كما غنَّت للبنان، ودمشق، ومصر، ومكة، والقدس، وللبيت، والأرض، والهجرة، والعودة.
لقد صنعت (فيروز) في المخيِّلة العربيَّة وطنًا أكثر جمالًا ممَّا تسمح به السياسةُ والحروبُ: وطنًا من الجبال، والثلج، والضَّيعة، والكُروم، والأجرَاس، وبيوت الحجر، يمكن أنْ يبقى نقيًّا في أغنية بالرغم من قسوة الحاضر. وبهذا، تجاوزَ الصوتُ غير المسبوق للسيِّدة (فيروز) مجرَّد الغناء؛ ليصبح جزءًا من الوجدان العربيِّ. ولهذا، كلَّما ازدادت الحياةُ ضجيجًا، صار صوتُ (فيروز) أكثرَ ضرورةً للمواساةِ والشعورِ بالطمأنينةِ.
وبذلك، حلَّقت (فيروز) عاليًا، متفرِّدةً في سماء الفنِّ العربيِّ الأصيل والحديث، وستظلُّ ذاكرةً حيَّةً، وفنًّا يرافق الصباحات والمساءات، والأسفار، ووحشة النوى، ولوعة الشوق.. ووطنًا حميمًا يسكنه الجميع.

أخبار ذات صلة

مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
;
أتعلَّم.. وأجيك !
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
;
مجالس جدة
شيء عن إدارة المخاطر التقنية
الاستحقاق الوطني في اليمن
12 عاماً.. عَبَرَت بالمملكة نحو المستقبل
;
الدور المرجَّح.. والتنمية
معـــادلات
أين المروءة ؟!
الشخصية الإيجابية