كتاب

الكتاب والقراءة.. رفيقا الدرب والوحدة

في عالم تملأه الهواتف، والإشعارات، والمقاطع القصيرة، أصبح الكتابُ أكثر هدوءًا، وربَّما لهذا السَّبب أصبح أكثر قيمة، فالكتابُ لا يطلبُ انتباهنا في كلِّ لحظة، ولا يقاطع أفكارنا، بل ينتظر أنْ نفتح صفحاته.
القراءة تمنحُ الإنسان فرصةً للسفر دون تذكرة، فمن خلال كتاب يمكنُ أنْ يعيش القارئُ في عصر تاريخيٍّ، أو يتعرَّف إلى ثقافة أُخْرى، أو يدخل عالمًا علميًّا جديدًا، أو يعيش تجربةً إنسانيَّةً مختلفة.

وقد أدركت دولٌ كثيرة أهميَّة القراءة في بناء المجتمع، ففي فنلندا واليابان وكوريا الجنوبية تُوجد ثقافة قويَّة للقراءة والمكتبات، بينما طوَّرت دُولٌ مثل المملكة المتَّحدة، والولايات المتَّحدة شبكات واسعة من المكتبات العامَّة، والمبادرات القرائيَّة.
إذا كان عدد المكتبات مؤشِّرًا على الاهتمام بالقراءة، فإنَّ عدد المكتبات -مقارنةً بعدد السكَّان- يُعطي صورةً أكثر عدالة، وتبرز فنلندا نموذجًا لافتًا، فشبكتها المكتبيَّة المنتشرة تشمل مكتبات رئيسة، وفروعًا، ومكتبات متنقِّلة؛ لتجعل الكتابَ قريبًا من المواطن، لا مجرَّد مبنى ينتظر مَن يزوره.

والأهم أنَّ قوَّة فنلندا لا تظهر في عدد المكتبات فقط، فقد سجَّلت المكتباتُ العامَّة الفنلنديَّة في 2024م نحو 50.7 مليونَ زيارةٍ فعليَّة، و85.4 مليونَ إعارةٍ، وهو ما يعكس الاستخدام الفعلي للمكتبات، وليس مجرَّد وجودها.
وتبرز أهميَّة الكتاب بتغيير عقليَّة المتلقِّي، فالكتابُ الذي يغيِّر فكرةً واحدةً في عقل الإنسان، قد يكون أكثر قيمةً من عشرات الكُتب التي نقرأها بسرعة، والكتابُ رفيقٌ خاصٌّ في الوحدة، ففي لحظات الصَّمت قد يصبح الكتابُ وسيلةً للتأمُّل، وقد يمنح الإنسان شعورًا بأنَّه يجلس مع عقلٍ آخرَ عبر الزَّمن.
كما أنَّ القراءة أصبحت أكثر أهميَّة في عصر المعلومات السريعة، فالمحتوى القصير يمنحنا معلومة، لكنَّ الكتابَ يمكن أنْ يمنحنا سياقًا وفهمًا وتحليلًا.
ولا يعني ذلك رفض التكنولوجيا، فالكتبُ الإلكترونيَّة، والكتبُ الصوتيَّة جعلت القراءة أكثر انتشارًا، ويمكن للهاتف نفسه أنْ يتحوَّل من وسيلةٍ للتشتُّت إلى مكتبةٍ كاملةٍ.
وقد قال المصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَن يُرِد اللهُ بِهِ خَيرًا يُفْقِّههُ فِي الدِّينِ» متَّفق عليه، وفيه بيانٌ لقيمة الفهم والعلم، والعلم لا يأتي إلَّا بالتَّعلُّم، والسُّؤال، والقراءة، والتأمُّل.
إنَّ الكتابَ لا يُلغي الوحدة، لكنَّه يجعلها -أحيانًا- أكثرَ ثراءً، وقد تكون أجمل لحظات الإنسان، تلك التي يجلس فيها وحده، يفتح كتابًا، ويكتشف أنَّه ليس وحيدًا تمامًا، فهناك فكرة، وصوت، وتجربة تنتظرُه بين الصفحات.

أخبار ذات صلة

سلامة عنقي وأعناقكم!!
أين ذهبت النصوص الجديدة؟
في جدة.. اليوم الوطني وكأس الخليج يلتقيان
{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}(1)
;
(السجائر الإلكترونية).. تدمير للصحة
بتصنيف أو بدون تصنيف.. ماذا يتغيَّر؟
مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
;
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
أتعلَّم.. وأجيك !
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
;
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
مجالس جدة
شيء عن إدارة المخاطر التقنية