كتاب

في جدة.. اليوم الوطني وكأس الخليج يلتقيان

في الثالث والعشرين من سبتمبر، تلتقي في جدَّة مناسبتَان عزيزتَان: ذكرى اليوم الوطنيِّ للمملكة، وانطلاق كأس الخليج العربيِّ. تزامنٌ يستحقُّ التوقُّف عنده، فالسعوديُّون يحتفلُون بوطنِهم، والأشقَّاءُ من دول الخليج يحضرُون بمنتخباتِهم وجماهيرِهم وأعلامِهم ولهجاتِهم؛ لتأخذ المناسبةُ الوطنيَّةُ بُعدًا اجتماعيًّا جميلًا، وتدخلُ البطولةُ الخليجيَّةُ إلى مدينة تعيشُ احتفالها الكبير، ولستُ أدري إنْ كانَ بالإمكان اختيار موعدٍ يحملُ كلّ تلك الدِّلالات لو جلسنا نبحثُ عنها! فاليومُ سعوديٌّ، والبطولةُ خليجيَّةٌ، والمدينةُ جدَّة.
ولكأس الخليج في ذاكرتنا نحن -أبناء المنطقة- مكان لا تصنعه الأرقام، ولا تحدده قيمة الجوائز، أجيال كاملة عاشت مع البطولة، وانتظرت مبارياتها، وحفظت أسماء نجومها، واختلفت حول منتخباتها، وفرحتْ وحزنتْ معهَا، كانت تدخلُ بيوتنا، وتجمعُ العائلة حول الشَّاشة، وكانت للمباراة الخليجيَّة نكهة نعرفُها جيدًا، تغيَّرت كرة القدم كثيرًا، وتطوَّرت الدوريَّات الخليجيَّة، وارتفعت قيمةُ اللاعبين، والمسابقات، والاستثمارات، والمنشآت، ووصل الدوري السعوديُّ إلى حضورٍ عالميٍّ لافتٍ، ومع كلِّ ذلك احتفظت كأسُ الخليج بشيءٍ لا يمكن شراؤه، أو صناعته؛ الذَّاكرةُ المشتركةُ بين شعوب تعرفُ بعضها جيدًا، وتعرفُ أنَّ المنافسة -مهما اشتدَّت- تبقى داخل حدود الملعب.

وقد يسأل أحدُهم: وما الذي تضيفُه جدَّة إلى بطولة عرفنَاها منذ عُقود؟ وأحسب أنَّ الإجابة تبدأُ من جدَّة نفسها. فالمدينةُ لم تتعلَّم استقبال النَّاس من بطولة رياضيَّة، أو موسم سياحيٍّ، والضَّيفُ جزءٌ من تاريخها، والبحرُ جزءٌ من شخصيَّتها، والحجَّاجُ والمعتمرُونَ، والتجَّارُ، والقادمُونَ من جهاتِ الأرض مرُّوا بها، وتركُوا في ملامحها ذلك التنوُّع الذي نعرفُه اليوم، وفي جدَّة التاريخيَّة «رواشين» تحكي زمنًا قديمًا، وعلى امتداد البحر الأحمر، مدينة تتطلَّع إلى مستقبلٍ كبيرٍ، وبين الماضي والمستقبل أهلُ جدَّة، وهم الجزءُ الذي لا تستطيع مشروعات التطوير أنْ تصنعه، ولا الصُّور السياحيَّة أنْ تختصره.
وهنا أجدُ معنًى آخرَ لفكرة البحرين، الخليج العربي لن ينتقلُ إلى البحر الأحمر، والجغرافيَا لن تغيِّر خرائطها من أجل كرة القدم، لكن أبناء الخليج قادرُون على صنع لقاء لا ترسمه الخرائطُ، سيأتي الكويتيُّ، والعُمانيُّ، والبحرينيُّ، والقطريُّ، والإماراتيُّ، والعراقيُّ، واليمنيُّ، ويلتقي بهم السعوديُّ على ضفاف البحر الأحمر، وستختلط اللَّهجاتُ، والأعلامُ، والقمصانُ في المدرَّجات والشَّوارع والمقاهِي، والواجهة البحريَّة، وجدَّة التاريخيَّة، سيكون الخليج حاضرًا في جدَّة بأهله لا بمياهه، وسيستقبل البحرُ الأحمرُ، أبناءَ البحرِ الآخرِ في صورة خليجيَّة جميلة تتجاوز حدود المباراة ونتيجتها.

ولا أرى الزَّائر الخليجي مجرَّد مشجِّع يحمل تذكرةً ويدخل الملعب ثمَّ يغادر، فالمسألة أوسع من ذلك الزَّائر سيسكن في فندق، ويتنقل في المدينة، ويزور مطعمًا، أو سوقًا، أو موقعًا تاريخيًّا، وقد يقف أمام البحر طويلًا، وسيلتقي بالنَّاس، ويحمل معه إلى بلاده صورةً كاملةً عن جدَّة. هنا تدخل السِّياحة والاقتصاد والثقافة والصورة الذهنيَّة في صميم الحدث الرياضيِّ، ويغدو نجاح البطولة أكبر من فوز منتخب، أو امتلاء مدرَّج، فالمدينة في مثل تلك المناسبات تقدم نفسها أيضًا، والضَّيف الذي يعود بانطباع جميل قد يكون أفضل مَن يروي قصَّتها بعد انتهاء البطولة.
ومن يعرف تنظيم المناسبات الكُبرى، يعرف أنَّ الصورة الجميلة التي يراها الضَّيفُ تقفُ خلفها أعمال كثيرة، لا تظهر أمام الكاميرات. وأمانة محافظة جدَّة في مقدِّمة الجهات التي يقعُ عليها جانبٌ مهمٌّ من مسؤوليَّة المدينة، إلى جانب الجهات الأمنيَّة، والخدميَّة، والتنظيميَّة. فالطريق والنظافة والمشهد الحضري، والمرافق والواجهات العامَّة، وسهولة الحركة تفاصيل قد لا يسأل الزائر عمَّن أنجزها، لكنه يشعر بها، ويبني جزءًا من انطباعه عن المدينة من خلالها. هنا لا يكون نجاح جدَّة خارج الملعب أقل قيمة من نجاح التنظيم داخله؛ لأنَّ البطولة بالنسبة للضَّيف تبدأ قبل دخوله المدرَّج، وتستمر بعد مغادرته.
والمملكة تدخل الاستضافة بخبرة رياضيَّة وتنظيميَّة متراكمة، وبدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-، أخذت الرياضة موقعًا متقدِّمًا في التنمية، والاقتصاد، والحضور الدوليِّ للمملكة، وكأس الخليج في جدَّة جزءٌ من مشهد سعوديٍّ أوسع، تتقدَّم فيه المملكة في استضافة المناسبات الرياضيَّة الكبرى، وتبنِّي خبرة ومنشآت، واقتصاد رياضي تتسع آثاره إلى قطاعات عديدة.
وبعد غياب عن الكتابة الرياضيَّة يعود إلى عام 1994م، لم أتوقَّع أنْ تكون عودتي من هذا الباب. وربَّما كان جميلًا أنْ تكون جدَّة هي التي أعادتني، وأنْ تكون كأس الخليج هي المناسبة، وأنْ يكون اليوم الوطني هو الموعد. ثلاثة أسماء، لكلِّ واحد منها مكانه في القلب، تجتمع هذه المرَّة في مدينةٍ واحدةٍ، ويكفي جدَّة جمالًا أنْ تكون في ذلك اليوم بيتًا للوطن وموعدًا للخليج.
* نقطة تحت السطر:
قد يبقى الخليجُ العربيُّ في مكانهِ، ويبقَى البحرُ الأحمرُ في مكانهِ، لكنَّ أبناءَهَما في جدَّة قادرُون على اختصارِ المسافةِ.

أخبار ذات صلة

سلامة عنقي وأعناقكم!!
أين ذهبت النصوص الجديدة؟
{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}(1)
(السجائر الإلكترونية).. تدمير للصحة
;
بتصنيف أو بدون تصنيف.. ماذا يتغيَّر؟
الكتاب والقراءة.. رفيقا الدرب والوحدة
مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
;
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
أتعلَّم.. وأجيك !
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
;
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
مجالس جدة
شيء عن إدارة المخاطر التقنية