“الله” بين الذات العلية والمفهوم البشري

“الله” بين الذات العلية والمفهوم البشري
أثار قرار المحكمة الماليزية العليا في 31 ديسمبر بالسماح للمواطنين غير المسلمين باستعمال لفظ الجلالة «الله» بدلاً من اللفظ المسيحي المتداول «الرب»، ثائرة المسلمين في ماليزيا الذين تمسكوا بحظر استعمال كلمة «الله» على غير المسلمين باعتبارها حكرا على المسلمين وحدهم. وأدى ذلك إلى سلسلة من التوترات المشحونة بالتعصب الديني، توجت بمحاولة حرق ثلاث كنائس كاثوليكية في كولالمبور بقذفها بقنابل مولوتوف فجر يوم 7 يناير. وقد أثارت تلك الأحداث موجة من القلق العميق لدى القادة الدينيين والسياسيين وزعماء الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، من كافة الأديان والمعتقدات، الذين سارعوا بالاحتشاد للإعراب عن اشمئزازهم وإدانتهم لمحاولات حرق الكنائس. ثمة فرصة مناسبة، على هامش تلك الأحداث وما سيتلوها من أحداث مشابهة متوقعة تنطلق كلها من ذات الرحم الثقافي الممعن في الولوغ في كافة ما يثير شهية الوحش الديني للانطلاق من عقاله، أقول إن ثمة فرصة مناسبة لاستيعاب الفارق الجوهري والمهم والضروري بين (الله) كذات متعالية ومنزهة عن الصفات الإنسانية بكافة تمظهراتها، وبين (الله) كمفهوم بشري تكوَّن عبر التحويرات الثقافية البشرية المتعاقبة على مدار الزمن. إذ تختلف الأديان، باعتبار بعدها الثقافي، في المفاهيم التي تطرحها عن الله المعبود، فاحتكار اسم الله لنا وحدنا دون عباد رب العالمين، حين يظن بعض أتباع الديانات، أن مفهوم (الله) وحِدة لفظية مجسدة، يمكن اعتباره كائناً مشخصاً يجوز احتكاره وامتلاكه، وإسقاط كل النعوت البشرية عليه: حقنا، ربنا، إلهنا، سيدنا، وبالتالي طرد الآخرين عن هذا التملك، يسعى أولئك الأتباع في أية ديانة كانت، محرّفة أو صحيحة، أوّلية أو تالية ، إلى اعتبار (الله) كمفهوم، من جنس الأشياء الموجودة في حياتهم، من بعض مجسدات بيئتهم، التي يتعاملون معها، وتؤثر في حياتهم ويومياتهم فالانطباع الاجتماعي الموروث عن الله، جعل فشلنا كمسلمين في صياغاتنا لفقه سياسي يواكب متطلبات الاندماج الحضاري قدرنا ومشيئة ربنا، وخيبتنا الحضارية فقه ديننا، واجتراحنا للموبقات والمعاصي المدنية توفيق وسداد من الله!!، فكم من الجرائم والتخلف المدني يرتكب باسم الله. إن التشغيب على لفظة (الله) واعتبارها حكراً وخصوصية لأناس دون أناس، أو لديانة دون أخرى أو لطائفة أو مذهب دون آخر، هو من الافتئات على (الله): الذات العلية سبحانه وتعالى المتفرد بالوحدانية والجلال والإكرام والعدل والحكمة. إن حجز لفظ «الله» للمسلمين فقط، هو استعداء أتباع الملل الأخرى على الله، وتنفيرهم من الإسلام. إن مؤسساتكم الثقافية، وهيئاتكم العلمية، ومنابركم الخطابية، ومنظومة فتاواكم، أيها المحتكرون للفظ المنزّه عن كل نقص، قامت بتجيير الذات الإلهية لحسابها وصنعت باسمه لوائح لقواعد الحلال والحرام والعقوبات وتحت سلطة التكفير تسلطت على الناس وعلى عقولهم وفكرهم وحياتهم. فأصبحت كلمة الله تعني أن كل ما تقوله تلك المؤسسة وتفرضه نابع من الله ومقرر منه وليس من القائمين عليها. رموز هذه المؤسسة عينوا أنفسهم وسطاء وممثلين للذات الإلهية. لقد صورتم يا عبيد الفقه التاريخي الذات الإلهية كقوة متسلطة تجلس على العرش وتراقب أفعال الناس وتعاقبهم على أي صغيرة وكبيرة حسب لوائح اختلقتموها أنتم وأعطيتموها القدسية الإلهية، لقد أعطيتم لأنفسكم حق قتل المخالفين للوائحكم وعينتم أنفسكم وكلاء لأبواب الجنة والنار، لقد تصورتم بخيالكم الترابي الأرضي التاريخي، أن الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وعلت صفاته، يمكن تسييج عبادته وحبس لفظه عن غيركم، فهذا باطلكم، والله ورسوله والمؤمنون الصادقون بريئون منه، ولا يحيق الفقه السيئ إلا بأهله.

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
;
تحت مظلَّة السعودة
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
;
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة