الآبار المكشوفة بين الردْم والتسوير
كانت الآبار في بلادنا هي المصدر الرئيس لاستخراج الماء الذي هو عماد الحياة لا يشاركها في ذلك سوى البرك التي تقام في بعض الأماكن لحفظ مياه السيول ومن اشهرها برك زبيدة على طريق الحجاج من العراق إلى الحجاز، ثم الغدران التي تتكون بعد الامطار وهي ذات أمد قصير لا يتجاوز الشهور. كانت الآبار تعد بالآلاف بين آبار في المزارع، وآبار على الطرق طلباً للأجر وبخاصة طرق الحج، وآبار حيث امكن وجود الماء إما خاصة وإما عامة لكل من يلهث طلباً للماء في الصحراء وبين الجبال، وحتى في الاعراف لا يمنع طالب أجر أن يحفر بئراً في أرض لا يملكها، ومن يعود لتاريخ حفر الأبار وتسبيل مائها يجد تاريخياً حضارياً مشرقاً. هذه الآبار بعد وجود مياه التحلية، وبعد انتشار استخراج الماء بالمضخات أعرض الناس عنها، ولم يعد هناك من يحفر بئراً أو يطويها بل لم يعد يوجد من يحفر بئراً طلباً للأجر الا ما ندر، وبقيت آلاف الآبار مفتوحة تشكل خطراً على المارة، وبخاصة إن لم يوجد حول فوهتها، ردميات أو تكون لها خرزة (بناء يرفعها عن سطح الأرض) وهذا ما دعا الدفاع المدني إلى تفادي هذا الخطر، وكان اسهل الحلول هو ردم هذه الآبار في دقائق وقد استغرق حفرها وطيها قديماً سنين. لا خلاف حول المخاوف والقلق من بقاء هذه الآبار مفتوحة دون وجود موانع تمنع السقوط فيها، ولكن ليس كل بئر تُردم فمن هذه الآبار آبار تاريخية وذات قيمة آثارية لا بد من الحفاظ عليها فهي جزء من التاريخ الحضاري لبلادنا، واذا كان الاجداد قد واجهوا شح المياه بحفر الآبار مهما قلت كمية الماء فإن الحفاظ عليها واجب على الاقل في معرفة مواطن وجود الماء ويذكر المؤرخون ان فخري باشا آخر محافظ للمدينة المنورة في العهد العثماني كافأ كل من دله على مكان بئر مجهولة ليحفرها ويسقي جيشه المحاصر داخل المدنية مدة ثلاث سنوات. قرأت في المدينة (9/5/1433هـ) أن في العيص وحدها مئة بئر مكشوفة يتجه الدفاع المدني لردمها وجل هذه الابار جفت وغار ماؤها وبخاصة بعد استخدام المضخات أوقلة نزول الأمطار، ومنها ما هجره أهلها ولم يعنوا بها لتوافر الماء من غيرها، وفي صحيفة الشرق (10/7/1433هـ) أن الآبار غير المسوّرة في الباحة (3165) بئراً، منها ما يزال مستخدماً كآبار الزراعة والسبيل ومنها ما هو مهجور لجفافها أو عدم صلاحية مائها، وهذا يدل على ان البئر هو المصدر الأول للماء في بلادنا، ووجود المصادر الحديثة لا يعني الاستغناء عنه، بل البحث عن حلول تحافظ عليها فقد يأتي وقت يحتاج إليها الناس، والردْم هو اسهل حل، ولكن الحل الامثل هو رفع هذه الآبار على سطح الأرض ثم تغطيتها بسياج من حديد. حزنت عندما عرفت أن الدفاع المدني في المدينة المنورة قد طمس بئراً كانت مصدراً لسقيا ركب الحجيج عندما كانت القافلة تتكون من آلاف الحجاج ومئات الإبل، وكان الايسر ان تسور وتغطى بسياج من حديد أو غيره وهو لا يكلف جهدا كبيراً ولا مالاً كثيراً ولكن التفكير في الحل المناسب اهم من الحل الاسهل والاسرع، فالمحافظة على الآبار لم يعد صعباً ولا مكلفاً، ورحم الله من حفر بئرا ليروي أناساً عطاشى في زمن مضى لا سيما على الطرق.