مِهْراس جبل أُحُد حقيقة تاريخية

مِهْراس جبل أُحُد حقيقة تاريخية

ما كنتُ لأكتبَ حول ما نشرته «المدينة» 14/8/1433هـ، حول ما تم من اعتداء على مِهْراس جبل أُحد من بعض الجهلاء بالتاريخ ودروسه وعبره، فقد اعتدنا على أن الجاهل إذا رأى جهلاً أزاله بأجهل منه، كما قال عمرو بن كلثوم: أَلا لا يجهلنْ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا غير أن ما نُسب لإمام حي الشهداء من أن المهراس «ليس له حقيقة تاريخية، ولم يُذكر في أيّ كتاب للسيرة النبوية» هو ما دعاني للكتابة، فقد يظن مَن ليس له اطّلاع على كتب التاريخ أن هذا الكلام صحيح، وهو خطأ، والقاعدة تقول: «لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة». وصفَ المهراسَ قدماءُ مَن وصفوا المواقع الجغرافية في المدينة المنورة، فقال البكريُّ في (معجم ما استعجم 2/1274): «مِهْراس: بكسر أوله، وإسكان ثانيه، بعده راء مهملة، وألف وسين، وهو ماء بأُحد»، وأورد ذلك ياقوت في (معجم البلدان 5/232)، والسمهودي في (وفاء الوفاء 4/1315)، والفيروز آبادي في (المغانم المطابة في معالم طابة 3/1108، طبعة مركز بحوث ودراسات المدينة) وكتب عنه كثير من المؤرخين القدماء والمعاصرين، ومنهم عاتق البلادي في (معجم معالم الحجاز 8/302)، وختم بقوله: «ولايزال المهراس معروفًا مشاهدًا في شعب في أحد قرب مشهد حمزة»، وفعل مثل ذلك العياشي في كتابه (المدينة بين الماضي والحاضر)، ولن أذكر كلَّ مَن أرّخ له قديمًا أو حديثًا، فلا يكاد يؤرّخُ مؤرخٌ لغزوة أحد إلاّ ذكره، أمّا السيرة النبوية التي نفى النافي وروده فيها، فقد جاء فيها «ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم عَطِش يوم أحد فجاءه عليّ -رضي الله عنه- في دَرَقَته (تُرْس من جِلْد) بماء من المهراس، فعافه، وغسل به الدّم عن وجهه» السيرة النبوية 3/48، وبقي خلاف المؤرخين في إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم في شق الجبل الذي يعلو المهراس، فمنهم مَن استبعد ذلك لبُعده عن موقع المعركة، ومنهم مَن يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم رُفع الى صخرة من الشعب لتواريه عن قريش، ويرون أن هذا المكان أنسب مكان؛ لأن بقية الأمكنة مكشوفة، وهو خلاف لا يؤثر في حقيقة المهراس. قال ياقوت الحموي: «ويجوز أن يكون جاءه بماء من الحجر المنقور المسمّى بالمهراس»، وقد أوردت الكتب شعر ابن الزّبَعْرى وغيره ممّا ذُكر فيه المهراس ممّا لا يتّسع المقام لذكره. وقد وصف الفيروز آبادي المهراس (ت817هـ) فقال: «المهراس: شبه حوض كبير في وسط الوادي على يسار الصاعد إلى أحد، وهو نقرة في الجبل طولها نحو أربعة عشر ذراعًا في عرض سبعة أذرع، والمهراس غِبَّ ماء السماء، يصير غديرًا صافيًا يُسبح فيه، ولو أن أهل المدينة إذا خرجوا متنزهين إلى أُحد لكفاهم ذلك الماء الذي يكون بالمهراس». وقبل هذه العبارة قال: «قلت: وقد شاهدنا أحدًا والمهراس» وإذا صحّ -ما نُسب لإمام المسجد- من أن إغلاق الصدع اجتهاد من الأهالي فهذا خطأ كبير، فهل لكلِّ مَن يرى رأيًا أن يحطّم المعالم التاريخية لاعتقاد اعتقده، وإذا كان بعض الجهلاء يتبركون بهذا المكان أو غيره، فإن الجهل لا يُزال بطمس المعلم التاريخي، بل بطمس الجهل من النفوس، وقد سرَّني كلام العلماء المختصين، الذي أوردته «المدينة»، وهو كلام أ.د.محمد الشيباني رئيس قسم التاريخ في الجامعة الإسلامية، حيث قال: «إن زيارات الغار للاطّلاع، وربط الأماكن بقراءة كتب التاريخ لا يوجد به شيء محرّم، وأن الموقع مَعْلم تاريخي يشاهده كل إنسان، وكون الإنسان يزوره ويربطه بقراءة التاريخ فهذا أمر لا بأس به»، وهذا الفارق بين كلام العالِم، وكلام مَن يكرر كلامًا سمعه، لا يصدر فيه عن علم، ولا عن قراءة للتاريخ، ولم يكن طمس المعالم التاريخية مزيلاً للجهل، وإنما يزيل الجهل العلمُ، فهو الذي يزيل الظلام، ويزيل ما يردده الجهلاء من تخيلات قد تدخل في نفوس العامة، وفي كل الأحوال ليس لأي كائن أن يطمس معلمًا تاريخيًّا إلاَّ بقرارٍ رسميٍّ من الجهة المختصة التي تتحمّل مسؤولية ذلك. فاكس: 012389938

أخبار ذات صلة

النبي عيسى والتريليونير ماسك!!
أجدادنا ونظام (الطيبات)!
قوة الاستغناء.. وسكينة الاكتفاء
حين تتحول الهوية الثقافية إلى محرك اقتصادي مستدام
;
نشأة الصحافة السعودية
رعاية الموهوبين.. استثمار في العقول وصناعة للمستقبل
أوليفيا وجيانا.. قصة نجاح سعودية جديدة
الهيئة الملكية للجبيل وينبع.. الجودة في التعليم والأولى بالتوظيف
;
حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي