منهج علوم الحديث لا يصلح للعلوم الأخرى
تاريخ النشر: 03 فبراير 2014 01:38 KSA
عُقدت في المدينة المنورة ندوة «شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن الرسالة» من 27-29/3/1435هـ، 28-3/1/2014م، وكانت ندوة علمية قدمت فيها بحوث نفيسة وشارك في حواراتها أدباء من داخل المملكة وخارجها، وقد هدفت إلى دراسة أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في مضامين شعر الصحابة، وإلى إعداد دراسات علمية عن كبار الشعراء، ودراسات تقويمية لما نُشر من دواوين ومجاميع، ومن أهداف الندوة الكشف عن الشمائل النبوية من خلال شعر شعرائه، وتناولت البحوث موقف الإسلام من الشعر والخصائص الفنية للشعر.
كانت الحوارات حول محاور الندوة ثرية، وكانت آخر جلسة حول مشروع موسوعة شعر الصحابة رضي الله عنهم، ومنهج جمع شعرهم وتحقيقه ومصادر هذا الشعر الذي تفرق بين كتب السيرة والأدب والتاريخ والانساب، وقد كشفت البحوث عن معلومات جديدة عن هذا الشعر ومصادره، وإذا يسر الله أن تكمل دارة الملك عبدالعزيز (التي عقدت هذه الندوة) جهدها برسم منهج هذه الموسوعة ثم إصدارها، فإن ذلك سيفتح آفاقًا للدارسين في أن يعرفوا الأجيال بهذا الشعر الذي ترعرع في رحاب النبوة وسيكون ملهمًا للشعراء، ومصدر قدوة للأجيال.
كان مما طرح حول رصد هذا الشعر وتوثيقه أن يطبق منهج أهل الحديث في التوثيق، وقد داخلتُ في مداخلة مبديًا اعتراضي على تطبيق منهج المحدثين على العلوم الإسلامية الأخرى وقد طرحتُ ذلك سابقا في ندوات أو كتابات، ذلك أن كل علم له منهجه وعلماؤه الذين أصَّلوا له كما أصّل أهل الحديث له، وتطبيق منهج علم على آخر سيكون تطبيقا لمنهج في غير موضعه، ولو كان ذلك مناسبًا لما تركه مؤرخو السيرة ولا مؤرخو التاريخ العام أو تاريخ الأدب أو غيرها وإنما ذلك طرح طرحه بعض علماء الحديث في السنوات الأخيرة، وثبت أن تطبيقه على العلوم الأخرى ليس هو المنهج المناسب، وهذا لا يقلل من منهج المحدثين، ولا من مناهج غيرهم في التأريخ أو الجغرافيا أو الانساب أو علوم العربية أو حتى علوم الفقه وأصولها أو علوم التفسير، ليس لأنه لو طبق لتُرك كثير من الموروث بل لأن العلماء السابقين وضعوا لكل علم منهجًا وأصولًا دوّنوا من خلالها علومهم بقواعد أصَّلوها ووضع الشيء في غير موضعه لن يوصل إلى النتائج العلمية التي يوصل إليها منهج ذلك العلم الذي نهجه المختصون فيه.
علماء النحو العربي ألغوا الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في تدوين اللغة (نحوًا وصرفًا ودلالة) ولم يُنكر عليهم ذلك فهذا من أصول منهجهم، لأن رواة الحديث بينهم أعاجم وموّلدون لم ينطقوا اللغة سليقة، وهؤلاء ثقات في الحديث وعلوم الدين وغير ثقات عند علماء اللغة فسييويه إمام في النحو وكتابه مصدر المصادر لكنه ليس بثقة عند المحدثين وابن الكلبي ثقة عند النسابين كذّاب عند المحدثين وابن زبالة والواقدي ثقتان في التاريخ والمغازي غير ثقتين عند المحدثين، وهكذا يقال عن الجغرافيين كالتجري والبكري وياقوت وعن علماء التاريخ والتفسير وعن غيرهم من أئمة العلوم.
إن تطبيق منهج الحديث على العلوم الأخرى قد دعا اليه علماء حديث في السنوات الأخيرة وآزرهم آخرون حرصًا على ثقة المعلومة ولكن اثبت التطبيق أن تطبيق منهج علم على علم آخر نهج خاطئ فلكل مجال منهج ولكل علم رجاله.