النظارة الشفافة
أثناء زيارتي لعيادة طبيب العيون، في الأسبوع الماضي، وبعد عدة ساعات أخبرني الطبيب أنه لا يجد لي النظارة المناسبة، التي تمكنني من رؤية الأشياء بوضوح، وبدلاً من مناقشته في الوضع الصحي لعيني، سألته قائلاً: ومَن منّا يملك مثل هذه النظارة؟! نعم هذه هي الحقيقة، مَن منّا -اليوم- يستطيع رؤية الأمور كما هي بواقعها، وجوهرها الحقيقي، دون تفسير، أو تأويل، ودون مزجها بألوان، وميول، وأهواء؟ والجواب: لا أحدَ! وإن زعم هذا، وتهرطق ذاك، فهذه حقيقة مسلّمة، لا جدال فيها، ولا مراء.في وسطنا الرياضي نلمس هذه الحقيقة جليًّا. فالتفاعل مع قرارات لجنة الانضباط الأخيرة كشف بشكل واضح غريزة حب الجدل البشرية، وخاصة لدى إعلامنا العاشق للتأجيج، ودون أن أقف في صف هذا، أو أتحيّز لذاك، سأكتفي بالقول إن الجماعة طاستهم ضايعة، والفطين فقط له حق الفهم.لم تعد القضية قضية لوائح وأنظمة وقوانين، ولم تعد تتعلّق بكرامة وسمعة ونزاهة، ولم يعد الفرق كبيرًا بين النقد والتجريح والإساءة والتحريض، لكنها أصبحت تتعلّق باتحاد يحاول استعادة هيبة أضاعها بيديه، بعد خراب مالطة.صحيح إن الجدل لن يتوقف، وإن الأخطاء ستستمر.. لكن المنظومة الرياضية مهدّدة بالانهيار إذا لم يتدخل مسؤول الرياضة الأول لإنقاذ اتحاد، أصبحت أعباؤه ثقيلة على حامله، وهي حقيقة لن يغيّرها مكابرة هذا، وتجاهل ذاك.إعلامنا -ولن أخرج نفسي من زمرة هذا الإعلام؛ حتّى لا يُقال إنني أتنصّل من زملاء المهنة- ما زال يتعامل مع هذا الواقع على أنه مادة مربحة، وإن اختلفت طبيعة الربح بين إعلامي وآخر، والسبب في ذلك أن الإعلام الذي ينادي بالصدق والشفافية وغيرها من الشعارات البرّاقة، يفتقد إلى ذات المعطيات التي ينادي بها.لا أعتقد أنني سأعود مجددًا إلى عيادة طبيب العيون، والسبب لا يكمن في عدم قناعتي بقدراته وخبرته في مجاله، لكنني بصراحة لا أؤمن بوجود تلك النظارة الشفافة.