كتاب

كيفَ تكونُ الحياةُ من بعدِكِ يا أمِّي؟!



دَخل على أُمِّه يومًا مكتئبًا، نظرت إليه نظرةَ المُحبِّ.. وبدأت تحكي له عن مقابلاتِها وحضورِها مع صديقاتِ عُمرِها.. حَاولت أن تُدخِلَ على وجههِ الابتسامةَ التي تَعرِفُها.. ولكنَّ تعابيرَ وجههِ، وتقطيبَ جبينهِ يوحيان بِهمٍّ ألمَّ بهِ، فتملَّك جوارحَهُ..


كانَ يُحاولُ إخفاءَ ذلكَ الشُعورِ بابتسامةٍ تسْطَعُ كالبرقِ لتعودَ الغيومُ على مُحيَّاه..

بادرته: «ما بالُك يا بُني؟ احكِ لي.. فَضْفِض عن نَفْسِكَ، فإنِّي مُستَودَعُك لعلِّي أحملُ معك»..


ضَحكت وهي تقول: «لقد حَملتُكَ وأنا سَعيدةٌ بك، وإنِّي أوْلى الناسِ بِحِملِكَ وأنتَ في همِّك»، قال: «لا تهتمِّي بي يا أمِّي»..

قالت: «يا بُني (لا تهتمّ إلاَّ بمَن يهتمُّ بهمِّكَ).. أنت تهتمُّ بي.. أفلا أهتمُّ بكَ»؟!

اشتكى لها همَّ البيتِ (الزوجة والأبناء)، وبعضًا ممَّا يجري في البيوتِ عادةً..

قالت له بلهجةٍ حازمَةٍ حانيةٍ.. جادَّةٍ عَطوفةٍ: «يا بُنيَّ: إنَّ من الذنوبِ والخَطايا (ذنوبًا كثيرةً).. -مردِّدةً- ذنوبًا كثيرةً يُكفِّرُها الهمُّ والغَمُّ بالزَّوْجةِ والأبناءِ..

إنَّ هَمًَا وصَبْرًا وحُلْمًا في الدُنيا بسببِ الزَّوجةِ والأبناءِ أفضلُمن بعضِ العِباداتِ، فهو عِبادةٌ مستمرةٌ، الأبُ يجاهدُ (جهادَه) قلبًا وعقلًا وبدنًا، ويحملُ على نفسهِ مُعاناةَ ومنغِّصاتِ أهْلِهِ وولَدهِ بابتسامةٍ إنسانيَّةٍ نبيلةٍ..

فِكرُه لغيرِ نفسهِ، وغَمُّه لغيرِ نفسهِ بإيمانٍ وصبرٍ، فهو مُجاهدٌ في سبلٍ كثيرةٍ لا في سبيلٍ واحدٍ كما يُجاهدُ الغُزاةُ، إنَّهم يستشهدون مرةً واحدةً، أمَّا هو فيستشهدُ كلَّ يومٍ مرَّةً بهَمِّه بأهلِ بيته (زوجته وأبنائه)، وسيأتي اليومُ الفصلُ فيرحَمُه اللهُ بفضلِ رحمَتهِ لأهلِ بيتهِ في دُنياه..

إنَّ مَن يتذمرَ أو يَهرُب ولا يَصْبرَ ولا يُجاهدَ، فإنِّي أحْسَبُهُ يُحَاسبُ على حَسناتهِ كما يُحاسبُ المذنبون على سَيِّئاتِهم..

إنَّ امرأةً -رزقك اللهُ منها أبناءً يركعُونَ ويسجدُونَ- تصبرُ عليها هي جائزةُ النصرِ التي يراها الصابرُونَ، استَعِن يا بُنيَ بالصبرِ والصَلاةِ.. إنَّ اللهَ معَ الصابرِينَ..

لتَكُن في مَعيَّةِ اللهِ بِصَبركَ، فإنَّ جائزةَ النَّصرِ لا تُؤْتىَ على هَزيمةٍ يَشْتَدُّ الهَمُّ عَليكَ، فتستغني عنها لترتاح.. تُيَتِّمُ أيامَها ولياليها..

إنَّ المَرأةَ التي يُستَغْنى عَنها أيامُها ميِّتةٌ، وقاتلُ أيَّامَها العاجزُ الجازعُ عندها يكونُ عملُك كالخَالفينَ الذين فرُّوا وجَبُنوا..

إنَّ البنوكَ في خزائنِها الأموالُ تُستَوْدَعُ.. وتُخْرجُ وتُسْتَثمرُ..

الرجالُ مستودعُ الفَضائلِ يحفظونها ويزيدونها.. إذا أفلسَ الرَجلُ في مَالهِ هي نَكْبةٌ له، أمَّا إذا أفلسَ في فضائلهِ فهي نَكْبةُ جِيلهِ..

قال وهو يُودِعُها: «كيفَ تكونُ الحياةُ من بعدِكِ يا أُمِّي؟!»..

خرجَ وقد تَبَدَّلَ حزْنُه سُرورًا، وهَمُّه فَرَحًا شَامخًا كالجبلِ.. فنصيحةُ أمّهِ لا تقبلُ الجَدَلَ..

ثمَّ أوقَفَتْه قبلَ أن يُغادرُها وقالتْ: «اشترِ هديةً لأمِّ زوجتِك فهي أُمُّكَ أيضًا..

اكسبْها يا ولدي.. تُعينُكَ في سَعَادةِ بَيْتِكَ..» وأضافت:

«الرُجولةُ الحَقَّةُ.. حَنانُ الرَّجلِ لأهلِ بَيْتهِ»..

أخبار ذات صلة

الوجه السلبي لبطولة كأس العالم!!
دعم النافعين ونهاية (الحكاية)!
أرويا كروز.. أكبر سفينة سياحية سعودية
السعودية في الحج.. قصة نجاح تتجدد وتبهر العالم
;
المعنى المفقود
كأس العالم.. التاريخ الذي يُكتب كل أربع سنوات
فخامة الإنجاز في ثوب التواضع
الطائف قديمًا
;
إدارة موارد الحياة: علم أم حكمة؟!
عبدالعزيز بن تركي.. ومرحلة الرؤية الرياضية
خبرات رجال الأعمال.. ثروة وطنية تستحق الاستثمار
سؤال الهوية.. والعلوم الإنسانية
;
«الحج».. رسالة إعلامية عالمية
مراكز الدراسات.. وتجديد المعرفة
حج استثنائي
بين الشغف والحماس..!