كتاب

لو أنها في السعودية..



في تغطيتها الأخيرة لرحلتها إلى لوس أنجلوس، حرصت الإعلاميَّة لجين عمران، على تخصيص جزءٍ من سنابها لطالب سعودي، رأت أنَّه مكافح وناجح في الحصول على فرصة للعمل في أمريكا، وعلى دخل يضمن له دفع تكاليف دراسته ومعيشته. لم يكن الشاب عالمًا، ولا مخترعًا، بل هو مازال يدرس اللغة، رغم مضي عامين على وصوله. يعمل الشاب (جرسونًا) في مطعمٍ راقٍ، في حيٍّ مرموقٍ، ولهذا شعرت لجين بأنَّ وجوده هناك إنجاز يستحق الإشادة، فهو (أوَّل سعودي) يعمل جرسونًا في أمريكا، ولو أنَّه (جرسون) في السعوديَّة، لما التفتت إليه كاميرا، ولا سُلِّط عليه ضوء، ولا أشاد به شخصٌ مشهورٌ.


نفس النمط يتكرَّر مع كلِّ طالب يدرس في الخارج، فما أن يُغادر البلاد حتَّى يتحوَّل إلى عبقريٍّ مدفون جاءته فرصة العمر في عوالم متطوِّرة تُقدِّر المواهب، وتفتح لها أبواب النجاح. وهي القصة ذاتها التي تتردَّد على مسامعنا مع كل خبر يصلنا من سعودي أو سعودية وُفقوا في الحصول على وظيفة، أو كتبوا ورقة علميَّة، أو حصلوا على منحة من أيِّ نوع، فهم قد اخترقوا حاجز التخلُّف المحلّي، ووجدوا في الخواجات مُعينًا على صقل القدرات، وعلى اختراع ما لم يُخترع، وعلى علاج ما لا بُرْء منه. ودائمًا يصاحب هذه القصة تعليقات الكتَّاب في الصحف، والقرَّاء على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ تحمل التبريكات والإشادات بالإنجازات الرائعة. ثمَّ تأتي تلك الجملة الشنيعة التي تُعلِّق على نجاح السعوديَّات بشكل خاص: «لو أنَّها في السعوديَّة، لأصبحت من الأسر المنتجة»، أو «لو أنَّها هنا لوجدتها بالمول تأكلُ بطاطس من تحت نقابها».

متى سنتخلَّص من عقدة الخواجة التي تجعلنا لا نرى حُسنًا إلاَّ بأيدي الغربيين؟ حين سطع فجأة اسم حياة سندي في سمائنا، جعلنا التهافت الإعلامي على إبرازها نتوارى خجلاً من القحط العلمي في ترابنا. وكأنَّ حياة أتت بما لم يأتِ به الأوائلُ! كل اللوم كان يُلقى على كاهل الوطن، الذي فرَّط في أبنائه، ولم يساعدهم على الإبداع، رغم أنَّ الوطن هو من قام بتأهيل حياة وغيرها؛ ليكونوا على مستوى القبول والمنافسة في جامعات العالم. كل الطلاب يذهبون للخارج بمستوى علمي لائق من مدارس المملكة، وأكثرهم مبتعثون من الدولة لإكمال الدراسة، وصقل القدرات، لكنَّها لا تلقى منهم غير الجحود واللوم والمقارنة المريرة.


ما قامت به حياة سندي في الخارج، لا يزيد عمَّا تفعله خولة الكريع في الداخل، وما تقوم به غادة المطيري في أمريكا لا يختلف كثيرًا عمَّا تقوم به ملاك عابد داخل المملكة، وإن اختلفت التخصُّصات. عندما زار البروفيسور جيريمي تشاديل السفارة البريطانيَّة في الرياض الشهر الماضي، كان يُزيِّن محاضرته بتجربة د. ندى الطاسان العلميَّة المشرِّفة كنموذج للعالمة السعوديَّة الناجحة، وكان قد أشرف على رسالتها، ثمَّ تابع تقدّمها الرائع ككبيرة علماء في مركز البحوث بمستشفى الملك فيصل التخصصي، ورئيسة وحدة الجينات السلوكيَّة، وقد نُشر لها ما يزيد عن 60 بحثًا. قال تشاديل: لقد عادت ندى لتصبح عالمةً ناجحةً.

من غير (لو)، فإنَّ ندى هنا، وخولة هنا، وملاك هنا، ومن قبلهنَّ سميرة إسلام، وسهيرة لاري، ومعهنَّ كثيرات من العالمات والطبيبات، يعملن في جامعاتنا ومراكزنا البحثيَّة، ويرأسن المختبرات، ويُدرن الفرق البحثيَّة، ويكتبن الأوراق العلميَّة، وينشرن في مجلات علميَّة مهمَّة. النساء في السعوديَّة لسن «ألماسات مغمورات في التراب»، بل هنَّ عالمات بارزات، لهنَّ المكانة والتقدير، وأمامهنَّ كل الفرص المفتوحة للنجاح والإبداع. فقط، لو أنَّهن (هناك)، لحصلن على البريق الإعلامي المحلي، وعلى الإعجاب المفرط بمن يعطيهن الغرب فرصة، حينها سنعجب بهنَّ ونسخط على أنفسنا.

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
;
تحت مظلَّة السعودة
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
;
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة