كتاب

الأخلاق.. والظروف الاجتماعية

يبدو لي أن الجرعات المنتظمة والزائدة من الدُّعاء الجماعي والوعظ الديني المكثّف، لم تفلح على مرّ العقود في تحسين الأخلاق الفردية وضبط الذوق العام والسُّلوك المجتمعي، أو استجلاب النُّصرة والغلَبة، ففي غمرة انشغال الخطاب الديني بهوس تصحيح العقيدة وسدّ أبواب الذرائع، تم إهمال تعليم الأخلاق الإنسانية الرفيعة وتكريس الأدب الاجتماعي وتهذيب السّلوكيّات العامة، بوصفها قواعد أصيلة في ضبط التعامل البشري، حيث أينما اتجهنا، فمدار الدين، مكارمُ الأخلاق ومطالبُ المروءة.

ومن المُغالطات الفجّة، تكريسُ تقييم الفرد المسلم وتصنيفُ الناس على أساس الشعائر الدينية فحسب، وإهمالُ الأخلاق والقيم الإنسانية المشتركة، فإصلاح الأخلاق والسّلوكيات الاجتماعية لا يكون بالوعظ والإرشاد والمثاليات العالية فحسْب، بل أساسه القدوات الحسنة والقوانين العادلة، وتحسين التعليم والظروف المعيشية، ومكافحة الفقر والفساد والظلم الاجتماعي والتمييز الطّبقي.. ومن الملاحظ أن طفرة المال والتعليم في بعض المجتمعات، لم تتوافق مع طفرة الأخلاق الحميدة والسلوكيات العامة المنضبطة، لذلك تجد تناقضاً واضحاً بين المستوى المادي والتعليمي، وبين المستوى الأخلاقي والسلوكي لدى كثيرٍ من أفرادها.


وتاريخياً، تتدهور المجتمعات نتيجة تردّي الأخلاق واضطراب القيم وانحدار السلوك وانتشار «الأَثَرة»، أي ثقافة الاستحواذ والأنانية المفرطة، وغياب روح التعاون، وتسلّط روح التنافس غير الشريف على معظم أفرادها، إذ من الآثار السّلبية لارتقاء الحضارة المادية والتّرف، فساد النفوس، وموت القلوب، وتمكّن الهوى، وضياع الأخلاق، واضطراب السلوك، وغياب الطمأنينة، كما من الواضح أن الحالة الاقتصادية في المجتمع ومستوى العدالة الاجتماعية، محدّدان أساسيّان لطبيعة الأخلاق والسلوكيات الإنسانية، ومدى تعاونِ أفراده، أو تنافسهِم وتغالُبهِم.

يقول الدكتور (علي الوردي): «يُحاول الوعّاظ أن يُصلحوا أخلاق الناس بالكلام والنصيحة المُجرّدة، وما دروا أن الأخلاق هي نتيجة للظروف النفسية والاجتماعية، إنهم يحسبون الأخلاق سبباً لتلك الظروف، لا نتيجةً لها، ولذا نراهم يقولون: «غيّروا أخلاقكم تتغيّر بذلك ظروفكم»، ولو أنصفوا لقالوا عكس ذلك».


من الممكن عملياً إنشاء المشروعات العمرانية والتقنية الضخمة، لكنّ بناءَ الأخلاق الفردية وضبطَ السلوك العام ونشرَ ثقافة احترام القانون، هي المشروعاتُ الحضارية الأهم والأصعب، إذ من المزعج ملاحظة أنه كلّما ازدادت الحضارة تطوّرًا وترفًا، ازداد مستوى الأخلاق الفردية والعامة ابتذالاً.. أختم باقتباس للدكتور (أحمد خالد توفيق): «مستوى الأخلاق ينحدر بلا شك، هذا لم يعد زمني كما هو واضح، وقواعد اللعبة تغيّرت، وككلّ من سبقوني أُردّد نفس العبارة: «ربنا يطلّعنا منها على خير»!.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة