كتاب

الدّين والأخلاق

جاء في الحديث الشريف: (إنّما بُعِثتُ لأتمّم مَكارمَ الأخلاق) في إشارة إلى تمتّع كثير من الأفراد في «الجاهلية» بأخلاق أقرّها الإسلام، كالشّجاعة، والكرم، وحفظ الأمانة، والصدق، ليضفي عليها الدِّين هيبةً ووقارًا، كما في قول السيّدة (خديجة) رضي الله عنها، مواسيةً وداعمة للنبي الكريم بعد أوّل نزول للوحي عليه: «كلاّ، أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدا؛ إنك لتصلُ الرّحم، وتصدُق الحديث، وتحملُ الكلّ، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائبِ الحق».

والقيمُ الأخلاقية من المنظور الفلسفي منبعُها العقل وأوامره، وهي ضرورة لا غنىً عنها لأي مجتمعٍ بشري، بغضّ النظر عن قِيَمه الدّينية، فالفيلسوف (كانط) رأى أن علينا فعل الخير لا من أجل غايةٍ أو غرض، بل لذاته، لأن الخير الأخلاقي خيرٌ في ذاته، وفي الوقت نفسه، رأى أنه لابدّ من وجود إلهٍ لإثابة الفضيلةِ وعقاب الشرّ، فالتجربة تقول إن الفضيلةَ في هذه الحياة لا تُقابَل دائماً أو حتى كثيراً بالثواب.


يقوم مبدأ النفعيةِ الأخلاقية الذي فسّره الفيلسوف (جيرمي بنثام) على أساس المصلحة بأقصى درجاتها ولأكبر عددٍ من الناس، كما انطلق (ميكيافيلي) في فلسفته عن الأخلاق «النفعية» من استقراء التاريخ، وحقيقة البشر الشريرة النفعية، فبمنهجه السياسي الواقعي، شدّد على التجرّد من الأخلاق في سبيل العمل على توسيع النفوذ.. وبشكلٍ عام، فالحالة الاقتصادية في المجتمع ومستوى العدالة الاجتماعية، محدّدان أساسيّان لطبيعة الأخلاق والسلوكيات الفردية والعامة، ومدى تعاونِ أفراده أو تنافسهم وتغالبِهم.

يُشير الفيلسوف (راسل) إلى «سُلطة الضمير» الذي يتأثّر بأخلاق القطيع في المجتمع، ولذا فإنّ القواعد الأخلاقية لدى (راسل) نسبيةٌ وتختلف من مجتمعٍ إلى مجتمع ومن فردٍ لآخر بحسْب الظروف والأزمانِ والأحكام الإنسانية، ولا يمكن إطلاق نسخة «مُطلَقة» من الأحكام الأخلاقية تكون مقبولةً لدى جميع الناس، فهي تتْبع نظريةَ الاهتمام الأخلاقي، أي النفعيّة الشخصية.


ينتقدُ (ابن خلدون) الفكرة التقليدية التي ترى أن الضّبط الأخلاقي والاجتماعي لا يتمّ إلا بالدِّين وحده، ويشيرُ إلى أن عدداً من الشعوب والمجتمعات في العالم لا تمتلك ديناً «حقيقيّاً»، إلا أنها تُدبّر أحوالها وسلوكيّاتها في مجتمعات منظّمة بشكل جيد جدّاً، ويوضّح أنه يمكن استقلالية المجتمعات عن القيَم الدينية، مشيراً إلى أهمية «العصبية» التي تُعد قوةً لازمة للسيطرة على أعضاء المجتمع البدوي، فيما يتميّز المجتمع المدني باستخدام قوة من نوعٍ آخر كأنظمة الشّرطة ومؤسّسات القانون.

من الخطأ الاعتقادُ بأن الدِّين هو المصدر الوحيد للأخلاق، فالأخلاق لها مرجعياتٌ أخرى كالسجيّة، والتاريخ العِرقي، والتكوين الخَلْقي، والتربية والتعليم، والظروف الاجتماعية، والحالة الاقتصادية، والعدوى النفسية والمنفعة الشخصية، إلا أنه غالباً لا يمكن بناء قاعدةٍ كبيرة من القيَم الأخلاقية الاجتماعية، من دون الاستناد على الإيمان بعقيدة «دينية» تتمّمها وتُفصّلها وتشرحها للعقل البشري ذي القدراتِ الفكرية المختلفة والمحدودة.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!