كتاب

تطوّر المجتمعات الأُحادية

يعتمد المجتمع الأُحادي في طريقة معيشته على نظام ثقافي أوحد لا يقبل التعدّدية ولا يسمح بالاختلاف، وهو بهذا أقرب للتخلّف والرّجعية والرّتابة، وأبعد ما يكون عن التطوّر والإبداع.. وفي خلال فترات التقدّم الحضاري والتغيير الثقافي، يعاني كثيرون من صراع نفسي عميق، نتيجة الصدام بين المثالية الدّينية والواقعية الاجتماعية، والوقوع في مأزق اضطراب الأخلاق واختلال السلوك، نتيجة استنادهما على معايير وقيم المجتمع المتغيّرة المتطوّرة بحسب المرحلة السياسية الثقافية والظروف الاقتصادية، وهي في عمومها، نفعيةٌ خالصة.

وفي خضمّ التغيّرات المُتسارعة في المنظومة الاجتماعية والفكرية الثقافية، يلجأ بعضهم إلى المُمانعة، والتمترس بمجموعة من موروثات الماضي وأوهام التاريخ وإنجازات السلف، في محاولة متعصّبة لتعويض عقد النقص، واضطراب القيم.. يرى (جون ستيوارت مِل) أنّ الأنظمة الاجتماعية مهما أُتقنت وتغيّرت، لا تقدر على تهذيب وإصلاح أفراد المجتمع، ما لم يرافقها تطوّر عميق في صفات أفراد المجتمع أنفسهم.


ومن الملاحظ أن طفرة المال والتعليم في بعض المجتمعات، لم تتوافق مع طفرة الأخلاق الحميدة والسلوكيات العامة المنضبطة، لذلك يظهر التناقض الواضح بين المستوى المادي التعليمي، وبين المستوى الأخلاقي السلوكي لدى كثيرٍ من أفرادها، الذين يجدون صعوبة نفسية شديدة في الالتزام بأبسط مبادئ القانون ومظاهر النظام والذوق العام..

فالمجتمعات والجماعات تتجه بقوّة إلى الانفتاح والتسامح والتعايش، لكن أفراداً كثيرين يتجهون إلى التقوقع، والتعصّب، والأنانية، والانفلات الأخلاقي.


إنّ الناس في المجتمعات الأُحادية، يقبلون بإجاباتٍ يرضى عنها مجتمعهم وأقرانهم، لا العقل والمنطق أو القلب والضمير، لذلك يواجهون القلق، والحيْرة، والتشويش، مع التغييرات الثقافية والاختلافات الاجتماعية الحتميّة، ويحاولون البحث عن هويّتهم الضائعة، وسط ركام التقاليد والدّين، والعادات، وموجات الحداثة، والانفتاح، وتمايز الطبقات الاجتماعية..إنّ شخصيّات كثيرٍ منهم غير حقيقية، ولو كشف أحدهم عن شخصيّته الطبيعية، لثارت عليه جماعته، وهم في الحقيقة مثله في أطواره الغريبة وأفكاره العجيبة ونزواتِه المَعيبة، إنّهم مشوّهون لكن يتجمّلون.

تئنّ المجتمعات الأُحاديّة من ثقل موروثاتها القَبلية والثقافية والتاريخيّة والدّينية، ويصبح من الصعب أن تتغير إعدادات عقلها الجمعي، والنتيجة عقودٌ من رفض ما يتعارض مع نمطية الموروثات ورتابة المعيشة، ولذلك، يمرّ كثير من أفرادها وهم في طور المخاض العسير للمرحلة الاجتماعية الانتقالية، باضطرابات نفسية ومُشكلات فكرية واختلالات سلوكية، تستمرُّ لسنواتٍ طويلة، وقد تستدعي نشوء أجيالٍ مقبلة لاستيعابها والتعامل الصحّي معها.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!