كتاب

التديّن الافتراضي!

يعيش كثيرون في مُجتمعات يشتدّ فيها وازع الوعظ والإرشاد الدّيني وسلطان التقاليد والأعراف الاجتماعية، بشخصية مُزدوجة بصورة لا شعورية، تُصارع التوفيق بين عددٍ من المُتناقضات التي تُمليها عليهم المثالية ونقيضتها الواقعية، فكثيرون يُحبُّون الخير بأفكارهم، لكنّهم لا يطبّقونه في سِيَرهم العمَلية.. فإظهار صور وسلوك التديّن أمام الآخرين بشكل تلقائي لا واعٍ، يُعدّ من أساسيات التعامل عند كثيرٍ من الناس في مجتمعات تقيّم الشخص بحسب ما يُظهره من تقوى وصلاح والتزامٍ بالشعائر والطقوس العقَدية، وأقوالٍ وحِكمٍ تشير إلى حبّه للدِّين وتمسّكه بتعاليمه.

ولذلك يحرص كثيرون على مظاهر التديّن الإلكتروني، فمشاركاتهم الافتراضية، من الناحية النفسية، تخفّف عنهم إزعاج الضمير، وتعطيهم نوعاً من الأمان العاطفي بأنهم ملتزمون دينياً، وتغطّي على سلوكيات متناقضة لديهم.. كما يُعدّ التديّن الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي، وسيلةً شخصية فعّالة لذرّ الرّماد في العيون، وطريقة استشراف جيّدة، وفيها مُزايدة سهلة على أخلاق وتديّن ووطنية الغير، من دون بذل أي جهد تعبّدي أو أخلاقيّ حقيقي.. إنّ بعضهم يبادرون بإظهار تديّنهم وورعهم وتقواهم عند الحديث عن موضوعات ليست لها عَلاقة بذلك، لإنهم يهابون وصفهم بأيّ أوصاف مزعجة جاهزة، ويحاولون تجنّب الرّد عليهم باتهامات مُعلّبة ومزايدات في غير محلّها.


إنّ من السّهل على الإنسان أن يرتدي ثياب الواعظ، ويستغلّ آياتٍ كريمات وأحاديث شريفة لإسقاطها على وجهة نظره الشخصية، واستغلالها، حتى لو في خارج سياقها، لتأكيد حُكمه على الآخرين، فهو في مجتمع أصيب كثير من أفراده -لظروف اجتماعية وثقافية مختلفة- بهواجس ووساوس مظاهر التديّن.

إنّ التركيز على سلوكيات التديّن الجماعي، والإفراط في الاهتمام بمظاهره وطقوسه، عوضاً عن الورع الفردي والتديّن الأخلاقي، قد يزيد من النفاق الدّيني الاجتماعي، لذلك كانت أهمّ أهداف التديّن، إصلاحُ نفسك وليس الآخرين، وضبطُ أخلاقك وليس أخلاق البشر، والحسبةُ على قلبك وليس قلوب غيرك، وتنقيةُ سريرتك وليس التسلّط على سرائر الناس، والانشغال بدخولك الجنة وليس دخول غيرك الجنة أو النار..


يقول الدكتور (أحمد خالد توفيق) في روايته «يوتوبيا»: «إن من العسير اليوم، أن تجد متديّنا بغرض التديّن في حدّ ذاته»!.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة