كتاب

مؤنسات الحرم في يوم الخليف

أرسلَ لِي صديقٌ عزيزٌ تسجيلًا لسيِّدةٍ فاضلةٍ مِن أهلِ مكَّة المكرَّمة، تروِي فيهِ إحدَى عاداتِ نساءِ أهلِ مكَّة اللواتِي لمْ يذهبنَ إلى الحجِّ فِي يومِ وقفةِ عرفةٍ، وسمَّتهُنَّ مؤنساتِ الحرمِ.

عاداتُ أهلِ مكَّة المكرَّمة القديمةُ كانَ لهَا معانٍ رائعةٌ، وأهلُ مكَّة هُم الوحيدُونَ الذِينَ لَا يحتفلُونَ بعيدِ الأضحَى مثلِ بقيةِ مدنِ المملكةِ وشعوبِ الدولِ الإسلاميَّةِ الأُخْرَى، ويعتبرُونَ عيدَهُم الكبيرَ هُو عيدُ الفطرِ، أمَّا عيدُ الأضحَى فيضيعُ معَ انشغالِهِم بخدمةِ الحجَّاجِ، والحجَّاجُ أنفسُهُم ينشغلُونَ بمناسكِ الحجِّ وعباداتِهِ، ويغلبُ علَى أيَّامِ عيدِ الأضحَى مراسمُ الحجِّ بينَ رميِ جمراتٍ وطوافٍ وسعيٍ والانشغالِ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ، وعيدُهُم هُو تكملةُ أداءِ مناسكِ الحجِّ.


أمَّا نساءُ أهلِ مكَّة، وهُو اعتقادٌ قديمٌ عندَ أهلِ مكَّة، بأنَّهُ لَا يمكنُ أنْ يُتركَ الحرمُ والطَّوافُ والكعبةُ بدونِ زوَّارٍ ومصلِّينَ وطائفِينَ يومَ وقفةِ عرفة؛ لأنَّ معظمَ الرِّجالِ يذهبُونَ لعرفة للحجِّ، أو لخدمةِ الحجَّاجِ، ويبقَى الحرمُ فارغًا، فتقوم النساء مكان الرجال والحجاج، بالذهاب إلى الحرم للصلاة والطواف، ويطلق عليهن مؤنسات الحرم، حيث يؤنسون الحرم في غياب زواره، ويسمى أهل مكة الذين لم يذهبوا للحج هذا اليوم (بالخليف)، أي يوم تخلف الناس عن الحج، فيذهب نساؤهم إلى الحرم، ويكون معظمهم صائمين، فيفطرون في الحرم بصنع أيديهم (المعمول والغريبة)، وترجعنِي ذاكرةُ هذَا اليومِ لأكثرِ من ستِّين عامًا عندمَا كنتُ أذهبُ معَ والدتِي وأخواتِي للحرمِ ونحنُ صغارٌ نتسابقُ فِي الطَّوافِ والسَّلامِ علَى الحجرِ الأسودِ، ويمتلئُ الحرمُ بالسَّوادِ، لونِ عباءاتِ النساءِ، وكانَ (يومُ الخليفِ) يُعتبرُ هُو بمثابةِ عيدٍ لنساءِ مكَّة؛ لأنَّهُ تُتاح لهُم فرصةُ الطَّوافِ والسَّلامِ علَى الحجرِ الأسودِ بهدوءٍ وبدونِ تزاحمٍ.

ورغمَ مرورِ السَّنين الطويلةِ، إلَّا أنَّ أهلَ مكَّة لمْ يتنازلُوا عَن عاداتِهِم، ومَن تابعَ الحرمَ يومَ وقفةِ عرفة لوجدَ الوشاحَ الأسودَ قدْ غطَّى صحنَ الطَّوافِ، والحقيقةُ شعورٌ رائعٌ بعقيدةٍ قويةٍ ومحبَّةٍ كبيرةٍ للحرمِ والكعبةِ، خوفًا مِن أنْ تكونَ وحيدةً بدونِ زوَّارٍ، وانتقلتِ العادةُ أيضًا للمدنِ المجاورةِ لمكَّة المكرَّمة، (جدَّة والطَّائف)، فأصبحتِ العديدُ مِن النِّساءِ يقدمنَ بالقطارِ من جدَّة لمكَّة للإفطارِ فِي الحرمِ، والطَّوافِ والصَّلاةِ، ثمَّ العودةِ قبلَ منتصفِ اللَّيلِ إلى منازلهنَّ، حيثُ يعودُ بعضُ الحجيجِ مِن مِنَى بعدَ رميِ الجمرةِ إلى الحرمِ لاستكمالِ الطَّوافِ والسَّعيِ، هذهِ بعضٌ مِن عاداتِ أهلِ مكَّة المكرَّمة، وأقصدُ بأهلِ مكَّة سكَّانَهَا.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة