كتاب

الكلمة.. صالون ثقافي

كنتُ -ومازلتُ- حريصةً على ارتياد الصالونات الأدبيَّة والثقافيَّة، كما أنَّي أهفُو إليها، فهي واحة المثقَّف، وبستانه، وروافد إبداعه، مهما تعدَّدت روافد الكاتب لا ينطفئ وهج الصالونات الأدبيَّة والثقافيَّة بالنسبة له؛ لأنَّها نشاط نابض بالتفاعل والحميميَّة.

النشاط يُجلي وجه الحياة، سواء كان النشاط اجتماعيًّا، أو ثقافيًّا، لكنَّ النشاط الفكري يمثِّل أعلى الأنشطة قيمةً ومردودًا على مستوى الوعي الجمعي، وتتحقَّق به الفوائد الكُبْرى، ويظهر جوهر الإنسان، ذلك الإنسان الذي كان يبحث عنه «ديوجين» الفيلسوف اليوناني.


كان «ديوجين» يحمل مصباحًا، بينما الشَّمس تسطعُ في كبد السَّماء، فالمصباحُ رمزٌ لرؤيةٍ أعمق من رُؤية البشر في ضوء الشَّمس، رمز للبحث عن الحقيقة، حقيقة الإنسان المهموم بقضايا مجتمعه، ومهتم بمشاركة الآخرين المعرفة، ورُؤية وجهٍ، أو أكثر من أوجه حقائق الفكر والأدب والتاريخ والإنسان.

وإذا كانت الفضيلةُ هي غاية الحياة -حسب مبدأ سقراط- وهي غاية السَّعادة، والفضيلة هي المعرفة -حسب تعريف سقراط- فإنَّ الثقافة ونشرَها بجهود ومبادرات فرديَّة، من خلال منتدى أو صالون ثقافي، أو أدبي تجسيدٌ حقيقيٌّ للفضيلة.


التَّاريخ خلَّد أسماء أصحاب الصالونات الأدبيَّة والثقافيَّة، كما أنَّ تاريخ المرأة العربيَّة الثقافي مليءٌ بالسِّير المُضيئةِ لنساء ساهمن في إثراء الحياة الثقافيَّة في مجتمعاتهنَّ منذ العصور الإسلاميَّة الأُولَى، وعلى امتداد التاريخ العربي حتَّى الآنَ، ففي العصر الأمويِّ، في الجزيرة العربيَّة، كان الشعراء يحتكمُون إلى السيِّدة سَكينة بنت الحسين، فيما يشبه الصالون الثقافي، ومن العصر الأندلسيِّ صالون ولادة بنت المُستكفي، وفي العصر الحديث صالون مي زيادة.

الذاكرة الثقافية والتاريخية مليئة بأسماء صانعات وصانعي الوعي، من خلال منتديات أو صالونات، ولا يتسع المجال لذكرهم، كذلك لم يكن العهد السعودي في المملكة خالي الوفاض من الصالونات الأدبية والثقافية التي انتشرت في كافة مدن ومناطق المملكة للأدباء والأديبات؛ فالمرأة السعودية حملت مصباحها مبكراً، من خلال المبادرات الاجتماعية والنشاط الثقافي، وحققت شرط الإنسانية، ولأنَّها راعيةُ العادات الاجتماعيَّة، والتَّقاليد الأُسريَّة، حافظت على أنْ تكون أنشطتها بعيدةً عن مصادر الضوء، حتَّى جاء الوقت الذي تمكَّنت فيه من الوقوف تحت الأضواء الكاشفة؛ لجهودها في مختلف جوانب الحياة.

فالحِراكُ الثقافيُّ النسائيُّ في أرجاء المملكة حقيق بالسَّرد، لكنْ أذكرُ على سبيل المثال لا الحصر: منتدى الأحديَّة، صالون سلطانة السديري، صالون سارة الثقافي، الملتقى الثقافي، صالون صفية بن زقر منذ عام 1992م، صالون المها الأدبي 1399هـ، الصالون الثقافي بنادي جدَّة الأدبي 2011م، المنتدى، رواق بكَّة.

شكَّل الصالون الثقافيُّ بنادي جدَّة الأدبي علامةً بارزةً في المشهد الثقافيِّ السعوديِّ منذ انطلاقته، وكان محض نسائيٍّ، ثمَّ فُتح للجميع -مثقَّفين ومثقَّفات- حضور متنوِّع في زمن رُؤية 2030، واستمرَّ يحقِّق نجاحات متتالية على مدى لقاءين شهريًّا، حتَّى توقَّف نشاطه في 2022م.

الآنَ نعودُ نحنُ -عضوات الصالون الثقافي- تحت مظلَّة جمعيَّة الأدب، ورئيسها الأكاديمي الشَّاعر الخلوق د. عادل خميس، ونعقد أوَّلَ لقاءاتنا في مبنى جمعيَّة الثقافة والفنون، بدعم وترحيب الأستاذ الخلوق المثقَّف محمد آل صبيح، الذي يمثِّل النموذج الأمثل لمن يدير المؤسَّسات الثقافيَّة، حيث يرعى ويدعم ويشجِّع دون سلطويَّة أو فوقيَّة، من مبدأ أنَّ المثقَّف لا يمكن إدارته كما يقول، فهو زميل وصديق وداعم بحضوره جميع الفعاليَّات والأنشطة التي تقيمها الجمعيَّة.

لا شكَّ أنَّ المرحلة الماضية كانت بدعم كامل من رئيس نادي جدَّة الأدبي د. عبدالله عويقل السلمي، الذي نكنُّ له كلَّ التَّقدير والشُّكر، فقد منحنا القوَّة للمضي قُدمًا رغم كيد الكائدين، كما أنَّه تلقَّى الهجوم والنَّقد والاعتراض بصبرٍ وصمتٍ.

الأحد 15 ديسمبر تنطلقُ أُولَى فعاليات صالون الكلمة الثقافي، بمناسبة يوم اللغة العربيَّة، يعنوان: «شجن القصائد المغنَّاة».. الدَّعوة عامَّة.. فأهلًا بِكُم.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»