كتاب

معضلة الصمت الرهيب

تكمن معضلة حقيقيَّة في الألفاظ الموصلة للمعاني.. فلا الألفاظ دقيقة.. ولا المعاني واضحة.. لكنَّ المشاعر والأفكار فيَّاضة غزيرة.. لذلك يلجأ كثيرٌ من الفلاسفة والمتصوِّفة والحكماء والعارفين إلى الصَّمت والتأمُّل، فحسب، إذ لا يوجد نتاج عظيم من غير صمت عظيم، وعزلة عظيمة. فالصَّامتُون -في الغالب- هم الحكماء، أمَّا الذين لا يكفُّونَ عن الثرثرة، فهم البُلهاء.

إنَّ الصَّوم عن كلام النَّاس، أي إطالةِ الصَّمت، من الفضائل التعبديَّة المنسيَّة، ومن جميل الصِّفات، حرص المرء على ممارسة الصَّمت في أوقاتٍ يفضِّل فيها حبس اللِّسان عن فضول الكلام والثرثرة، وهذا لو تمعنَّا، ينطبق على معظم الأوقات، فالصَّمت يورِّث الحكمة، ويجلب الهيبة، ويَقِي من أمراض القلوب وأهمها العجب.. وكلَّما ازداد العقلُ قوَّةً، مالَ صاحبُه إلى العزلةِ.. وكلَّما ازداد الفكرُ نضجًا، مالَ صاحبه إلى الصَّمت. جاء في الأثر عن الخليفة الرَّاشد (عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عنه-): «إِذَا رَأيتُم الرَّجلَ يُطيلُ الصَّمتَ ويهربُ من النَّاسِ، فاقتربُوا منهُ، فإنَّهُ يلقَى الحكمةَ».


ومن علامات النُّضج الفكريِّ، أنْ يكون لديك كثير من الكلام، ثم تختار أنْ تختصره بأقلِّ الألفاظ، أو تفضِّل الصَّمت.. أو النَّوم!. لكنَّ المشكلة ليست في القُدرة على صمت اللِّسان.. بل في ثرثرة العقل. فاللَّهُمَّ علِّمنا فنَّ الصَّمت وعافِنَا من ثرثرة اللِّسان. إنَّ ما أنطق به أقلُّ بكثير ممَّا يحتدم في خاطري، إنَّني أتعلَّمُ فنَّ الصَّمت، إذ يكفيني صخب أفكاري. يا إلهي.. كيف لضجيج الصَّمت أنْ يخرس؟. يقول (ستيفن هوكينج): «الأشخاصُ الصامتُونَ، عقولهم أكثرُ ازدحامًا».

من الملحوظات المثيرة للاهتمام، أنَّ الرُّوح التي تألفها، هي تلك التي تثرثر معها، بقدر ما تطيل الصَّمت في حضرتها، ففي كلتا الحالتَين تشعر باللَّذة والسَّعادة والارتياح. أقتبسُ من رسالة (نيتشة) إلى أخته (إليزابيث) كلماتٍ تعبِّرُ عن ألمه الشَّديد وكمده الفظيع: «أينَ هؤلاءُ الأصدقاءُ القُدَامى؟ يبدُو لي أنَّنا أصبحنَا لا نتكلَّمُ نفسَ اللُّغةِ. أشعرُ أنَّني أصبحتُ غريبًا ومنبوذًا.. أصبحتُ صامتًا؛ لأنَّ لا أحدَ منهم يستطيعُ فهمَ حديثي، إنَّه لأمرٌ رهيبٌ أنْ تلتزم الصَّمت بينما لديك الكثيرُ لتقولَه.. عدم المقدرةِ على تبادل أفكاري مع الآخرين أسوأ وأفظع أنواع العُزلة لي على الإطلاقِ».

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!