كتاب
«سكت الكلام»!!
تاريخ النشر: 28 يناير 2025 22:33 KSA
الاختلافُ في الفكر وأسلوب الحياة؛ يُميِّز البشر.
الاختلاف في اللون، أو العرق والوطن، وكذلك اختلافات كثيرة أُخْرى في شخصيَّة الإنسان تُوجِّه سلوكه وردود أفعاله، مهاراته وإبداعاته، حتَّى بينَ الأخوَين الشَّقيقَين من نفس الأبوَين، تجد أنَّ كلًّا منهما يختلفُ بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ، أو أنَّ اختلافهما في القدرات الذهنيَّة والإبداعيَّة، في الرَّغبات والهوايات، والذَّوق في اختيارات الملبس والمأكل، في اختيار الدِّراسة والمهنة.
نحن خُلِقنَا مختلفِين؛ فالاختلافُ هو البنية الجوهريَّة للوجود. من كلِّ شيء زوجَان، وفي دنيا البشر هي أنثى، وهو ذكر.
الاختلاف أيضًا في بصمة الإصبع؛ الرَّكيزة الأساسيَّة في الكشف عن الجرائم، العينُ أيضًا لها بصمة يمكن الرُّكون إليها في التَّمييز بين البشر!.
الاختلاف في البيئة المحيطة بك، ونوع الطَّعام الذي تأكله، والثَّقافة التي تتعاطَاهَا، والعلم الذي تنهل منه، والفنون التي تتغذَّى عليها، والفكر الذي يُنثر حولك.
أرأيت حجم المكوِّنات التي تشكِّل شخصيَّتك وفكرك ووجدانك؟!.
كلُّ هذا يشكِّل الشخصيَّة الإنسانيَّة، التي لا تأتي على صورةٍ أُخْرى، حتَّى الابن لا يكون نسخةً من أبيه، ولا البنت نسخة من أُمِّها، ولو كُفِيَت ألفَ قِدْرَة على فُمِّهَا!.
يمكن أنْ تأخذ البنت بعض السلوكيَّات من الأُمِّ، وبعضها من الأب، وتمزجهما بما تكتسبه في المدرسة من الصَّديقات والمعلِّمات؛ لتكون هي ذاتها.
التعليم والثقافة يشكلان الشخصية بكل ما تحمله من سمات سلوكية وقيمية، ومبادرات وإسهامات ترتقي به وبأسرته وبوطنه، كل هذا قبل المؤثرات الحديثة التي تكاد تصب البشر في قوالب جامدة، كذلك تجعل استيعابهم لاختلاف وجهات النظر أقل تقبلا وأكثر حدة.
تقبُّل وجهة النَّظر الأُخْرى دليلٌ على تفتُّح الوعي، ونُضوج الإدراك، فالإمامُ الشافعيُّ لم يرفض المختلفِين معه، بل توصَّل إلى معيار يُرضي الطَّرفين، (رَأيِي صَوابٌ يحتملُ الخطأَ، ورَأيُ غَيرِي خطأٌ يحتملُ الصَّوابَ).
الطَّرف الآخرُ عندما يُقارع بالحججِ ليثبت رأيه، أو وجهة نظره، فهو قد أعمل عقلَه وفكرَه مليًّا، ورأى ذلك الرَّأي الذي يحتملُ أنْ يكونَ صوابًا، وهناك احتماليَّة -ولو ضعيفة- لأنْ يكونَ خطأً.
إذنْ هناك مساحةٌ لفرضيَّة الخطأ والصَّواب، ليبقَى البابُ مفتوحًا للعقل؛ ليعملَ ويُفكِّرَ، ويهتدِي إلى الصَّواب، أو نصفِهِ أو ربعِهِ، أو حتَّى نزرًا يسيرًا يُرجِّحُ احتماليَّة صوابِهِ!.
لكن مع هيمنة وسائل التَّواصل، يكاد الاختلافُ يتقلَّص بين البشر، بالتَّأكيد في الأفكار، ووجهات النَّظر؛ لأنَّ الجميع يستقي معلوماته من المصدر ذاتِه، وهو المحمول بمختلف أشكالِه؛ الذي أصبح في أيدي الجميع دون تمييز لمَا يناسب الصِّغار، لذلك صمتَ الكلامُ بينَ النَّاس، فالكلُّ يعيش في عالمه الافتراضيِّ، فإذا دار الكلامُ بين الأفراد أو الجماعات، فهو عن المقاطع التي شاهدوها على السوشيال ميديا، أو عن الحوادث، والكوارث، والمآسي التي انتشرت على مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ بشكلٍ يُشبه الحريقَ؛ الذي ينتشر بسرعة الرِّياح.
لا شكَّ أنَّ هيمنة وسائل التَّواصل باتت تستحوذُ ليس فقط على الوقت، بل على العقول والمحبَّة، وتعصفُ باتِّزان المتابعِينَ بشكلٍ يجعلهم لا يُفارقُون الهاتفَ حتَّى وهم يسيرُون، أو يلتقُون على مائدة الطَّعام، التي كانت ثريَّةً بالحواراتِ والنقاشاتِ.
وسائلُ التَّواصل أزالت كثيرًا من اختلافات الأفكار، بل سعت إلى توحيد القناعات، ووجهات النَّظر، فلم يعدْ هناك اختلاف في وجهات النَّظر حول القضايا المطروحة، ولا حول المعلومات التي معظمها مغلوطة، والتي بُثَّت بدافع استقطاب متابعين، والصُّعود إلى قمَّة الشُّهرةِ.
إذا وُجد اختلاف فقد يتحوَّل إلى خلاف؛ لأنَّ الطرفين كلًّا منهما يدافع عن قناعة الآخرين!.
فأنت تدافع عمَّن أسلمتهم عقلك، وربما جزءًا من قلبك، فأنت تنصت وتبصر بهما معًا!.
لا أحد مستعد لإعلان خسارته بتلك البساطة، وتقبل الآخر المختلف مع قناعته أنَّه يتبنى قناعات الآخرين، وينفذ وصفاتهم ويتبنى آراءهم!.
هيمنةُ وسائل التَّواصل جعلت الصَّمت يسري بين الجميع، صرفت النَّاس عن الحوار، وعن جمال الاختلاف؛
لأنَّ الاختلاف هو الذي يمنح الإنسان فرصة التَّفكير والتَّعمُّق فيما يقوله الآخرُ، بوعيٍ وصدرٍ مفتوحٍ ومحبَّةٍ.
كلُّ المساحات أصبحت ملك المؤثِّرين والسَّاعين للشُّهرة، والمدَّعِين والكاذبِين.. و»سكت الكلام» على رأي عبدالحليم حافظ!.
الاختلاف في اللون، أو العرق والوطن، وكذلك اختلافات كثيرة أُخْرى في شخصيَّة الإنسان تُوجِّه سلوكه وردود أفعاله، مهاراته وإبداعاته، حتَّى بينَ الأخوَين الشَّقيقَين من نفس الأبوَين، تجد أنَّ كلًّا منهما يختلفُ بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ، أو أنَّ اختلافهما في القدرات الذهنيَّة والإبداعيَّة، في الرَّغبات والهوايات، والذَّوق في اختيارات الملبس والمأكل، في اختيار الدِّراسة والمهنة.
نحن خُلِقنَا مختلفِين؛ فالاختلافُ هو البنية الجوهريَّة للوجود. من كلِّ شيء زوجَان، وفي دنيا البشر هي أنثى، وهو ذكر.
الاختلاف أيضًا في بصمة الإصبع؛ الرَّكيزة الأساسيَّة في الكشف عن الجرائم، العينُ أيضًا لها بصمة يمكن الرُّكون إليها في التَّمييز بين البشر!.
الاختلاف في البيئة المحيطة بك، ونوع الطَّعام الذي تأكله، والثَّقافة التي تتعاطَاهَا، والعلم الذي تنهل منه، والفنون التي تتغذَّى عليها، والفكر الذي يُنثر حولك.
أرأيت حجم المكوِّنات التي تشكِّل شخصيَّتك وفكرك ووجدانك؟!.
كلُّ هذا يشكِّل الشخصيَّة الإنسانيَّة، التي لا تأتي على صورةٍ أُخْرى، حتَّى الابن لا يكون نسخةً من أبيه، ولا البنت نسخة من أُمِّها، ولو كُفِيَت ألفَ قِدْرَة على فُمِّهَا!.
يمكن أنْ تأخذ البنت بعض السلوكيَّات من الأُمِّ، وبعضها من الأب، وتمزجهما بما تكتسبه في المدرسة من الصَّديقات والمعلِّمات؛ لتكون هي ذاتها.
التعليم والثقافة يشكلان الشخصية بكل ما تحمله من سمات سلوكية وقيمية، ومبادرات وإسهامات ترتقي به وبأسرته وبوطنه، كل هذا قبل المؤثرات الحديثة التي تكاد تصب البشر في قوالب جامدة، كذلك تجعل استيعابهم لاختلاف وجهات النظر أقل تقبلا وأكثر حدة.
تقبُّل وجهة النَّظر الأُخْرى دليلٌ على تفتُّح الوعي، ونُضوج الإدراك، فالإمامُ الشافعيُّ لم يرفض المختلفِين معه، بل توصَّل إلى معيار يُرضي الطَّرفين، (رَأيِي صَوابٌ يحتملُ الخطأَ، ورَأيُ غَيرِي خطأٌ يحتملُ الصَّوابَ).
الطَّرف الآخرُ عندما يُقارع بالحججِ ليثبت رأيه، أو وجهة نظره، فهو قد أعمل عقلَه وفكرَه مليًّا، ورأى ذلك الرَّأي الذي يحتملُ أنْ يكونَ صوابًا، وهناك احتماليَّة -ولو ضعيفة- لأنْ يكونَ خطأً.
إذنْ هناك مساحةٌ لفرضيَّة الخطأ والصَّواب، ليبقَى البابُ مفتوحًا للعقل؛ ليعملَ ويُفكِّرَ، ويهتدِي إلى الصَّواب، أو نصفِهِ أو ربعِهِ، أو حتَّى نزرًا يسيرًا يُرجِّحُ احتماليَّة صوابِهِ!.
لكن مع هيمنة وسائل التَّواصل، يكاد الاختلافُ يتقلَّص بين البشر، بالتَّأكيد في الأفكار، ووجهات النَّظر؛ لأنَّ الجميع يستقي معلوماته من المصدر ذاتِه، وهو المحمول بمختلف أشكالِه؛ الذي أصبح في أيدي الجميع دون تمييز لمَا يناسب الصِّغار، لذلك صمتَ الكلامُ بينَ النَّاس، فالكلُّ يعيش في عالمه الافتراضيِّ، فإذا دار الكلامُ بين الأفراد أو الجماعات، فهو عن المقاطع التي شاهدوها على السوشيال ميديا، أو عن الحوادث، والكوارث، والمآسي التي انتشرت على مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ بشكلٍ يُشبه الحريقَ؛ الذي ينتشر بسرعة الرِّياح.
لا شكَّ أنَّ هيمنة وسائل التَّواصل باتت تستحوذُ ليس فقط على الوقت، بل على العقول والمحبَّة، وتعصفُ باتِّزان المتابعِينَ بشكلٍ يجعلهم لا يُفارقُون الهاتفَ حتَّى وهم يسيرُون، أو يلتقُون على مائدة الطَّعام، التي كانت ثريَّةً بالحواراتِ والنقاشاتِ.
وسائلُ التَّواصل أزالت كثيرًا من اختلافات الأفكار، بل سعت إلى توحيد القناعات، ووجهات النَّظر، فلم يعدْ هناك اختلاف في وجهات النَّظر حول القضايا المطروحة، ولا حول المعلومات التي معظمها مغلوطة، والتي بُثَّت بدافع استقطاب متابعين، والصُّعود إلى قمَّة الشُّهرةِ.
إذا وُجد اختلاف فقد يتحوَّل إلى خلاف؛ لأنَّ الطرفين كلًّا منهما يدافع عن قناعة الآخرين!.
فأنت تدافع عمَّن أسلمتهم عقلك، وربما جزءًا من قلبك، فأنت تنصت وتبصر بهما معًا!.
لا أحد مستعد لإعلان خسارته بتلك البساطة، وتقبل الآخر المختلف مع قناعته أنَّه يتبنى قناعات الآخرين، وينفذ وصفاتهم ويتبنى آراءهم!.
هيمنةُ وسائل التَّواصل جعلت الصَّمت يسري بين الجميع، صرفت النَّاس عن الحوار، وعن جمال الاختلاف؛
لأنَّ الاختلاف هو الذي يمنح الإنسان فرصة التَّفكير والتَّعمُّق فيما يقوله الآخرُ، بوعيٍ وصدرٍ مفتوحٍ ومحبَّةٍ.
كلُّ المساحات أصبحت ملك المؤثِّرين والسَّاعين للشُّهرة، والمدَّعِين والكاذبِين.. و»سكت الكلام» على رأي عبدالحليم حافظ!.