كتاب

محاربو لوحة المفاتيح!!

حينَ ظهرت شبكاتُ التَّواصل الاجتماعيِّ (Social Media) لأوَّل مرةٍ أواخر التسعينيَّات، رأى فيها كثيرٌ من العقلاءِ فرصةً حقيقيَّةً لتعزيز الوعي المجتمعيِّ، وتوثيق التواصل الاجتماعيِّ بين الناس، وإتاحة الفرصة للمواهب المدفونة، لتجد سبيلها إلى أعين المتلقِّين وآذانهم.

وقد قامت هذه الشبكات بهذه الأدوار الإيجابيَّة بشكلٍ جيدٍ في البداية، إلَّا أنَّ نسقًا سلبيًّا تسلَّل إليها، وعلى صوته يومًا بعد يوم، حتى أصبح سيِّد الشَّاشة -وللأسف- في أيامنا هذه. وهم ما يطلق عليهم في الغرب بمحاربي لوحة المفاتيح (Keyboard).


هذا النَّسق الشاذُّ من البشر، حوَّل هذه التقنية العالية إلى مستنقعٍ رديءٍ للسَّبابِ والشتائمِ والتَّشهير والإساءة، بدل أنْ تكون روضةً غناءَ مليئةً بكلِّ معجبٍ مطربٍ.

والموصول اليوم بهذه الشبكات، يلحظُ تناميًا مزعجًا للاستهتارِ بحرماتِ النَّاسِ وأعراضهم، وسمعتهم، وتسارعًا مقيتًا لتلقُّفِ الشَّائعاتِ ونشرها دون تحقُّقٍ ولا تثبُّتٍ من مصادرها.


تساءلتُ: ما الذي يحملُ شخصًا طبيعيًّا على أنْ ينتحل اسمًا مستعارًا، ثم يتتبَّع النَّاسَ من المسؤولين وغيرهم فيشتم هذا، ويسبُّ ذاك، ويتَّهم الثالثَ، ويروِّج إشاعة عن الرَّابع؟.

ما الذي يجعله يتتبَّعُ كل سقطةٍ فيطيرُ بها سرورًا وفرحًا، ويقوم بتفسيرها على مزاجه وهواه؟ فإذا لم يجد اخترعَ من عند نفسِهِ سقطاتٍ، ووزَّعها على النَّاس كما يحلو له دون رادع من ضمير!.

كيف إذا كان هذا التصرُّف الشَّاذ يقوم به عددٌ ممن يَدَّعُونَ بأنَّهم من النُّخب، ومن كبار شيوخ وعلماء ومفكِّري هذه الأمة المسلمة؟.

كيف يرتضي مؤمنٌ بالله وكتبه ورسله واليومِ الآخرِ أنْ يخوض خوضًا في النَّميمة والغيبةِ والبُهتانِ، وهو يقرأ قوله تعَالَى: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أََخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)؟.

كيف لمَن يتلُو في قرآنه: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) أنْ يختارَ في قوله القبيحَ المرذول؟.

كيف لمَن قال له ربُّه: (فَتَبَيَّنُوا)، أنْ يكون أسرعَ شيءٍ إلى نشر الشَّائعات والأكاذيب؟.

هل هي التربية التي تلقاها هؤلاء البشر؟ هل هو الانسياق وراء المجموع؟ هل هي الأنا الزائفة والبطولات الوهمية؟، هل هي العقلية المغلقة الملغمة بالأفكار الحاقدة والحدية الشاذة؟.

أسئلةٌ كثيرةٌ تستحق من عقلاء المجتمع المسلم وعلمائه ومفكِّريه ومربِّيه نقاشًا متأنِّيًا، ودراسةً فاحصةً.

قد يكونُ هذا الشخص المسيءُ جانيًا، وقد يكون ضحيَّةً في تصديق القِيل والقَال من الفضاء الإلكترونيِّ!.

وفي الحالتين، هو أنموذجٌ مَرَضيٌّ غيرُ مُرْضٍ يجبُ أنْ تمتدَّ إليه أيدي المصلحينَ، إمَّا علاجًا أو بترًا.

إنَّ حرية الرأي التي أتاحتها هذه الشبكاتُ، تعتبر مزية للمجتمعات الراقية والحية، إنَّها تزيدها صحةً وعافيةً، والإشكال هو في تجاوز حدود الأخلاق من البعض من المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي، وكسر قيود الآداب، وانتهاك الحرماتِ، واصطناع قاموس الشتائم والبذاءاتِ.. إنَّها سلوكيات سيئة مريضة وغير مهذبة، ولو حاول أصحابها إلباسها ثوب (الإصلاحِ) و(النقد).

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!