كتاب

الفراسة.. فن قراءة الوجوه

إنَّ قراءة الوجوه، أو ما يُعرف بالفراسة، هو فنُّ اكتشاف الصِّفات والخبايا في الشَّخص، من خلال ملامح وجهه، وحركاته، وسلوكه. فعندما تنظرُ أحيانًا إلى شخصٍ ما وتقول: واضحٌ من وجهه أنَّه مراوغ، وتنظرُ لآخر فتقول: عرفتُ من عيونه أنَّه كاذبٌ، هذا ببساطة هي ما يُعرف بالفراسة، أو فن قراءة الوجوه.

والفراسة علمٌ قائمٌ بذاته، له أُسسه ومعاييره، ويعود تاريخه إلى ما قبل 3000 سنة، وانتشر بواسطة عالم القرن العشرين البلجيكي البروفيسور «بول بوتس»، الذي قام بتحويل مهارات الفراسة إلى نظريَّة نفسيَّة، تُستخدَم لوصف شخصيَّة الإنسان.


وعلى الرغم من الجدل المستمر حول مهارات الفراسة، وما إذا كانت علمًا حقيقيًّا، أو مهاراتٍ يمكن أنْ يكتسبها الشَّخص، أشارت بعض الأبحاث إلى أنَّ تعابير وجه الإنسان تحتوي على نواةٍ حقيقيَّةٍ تُستخدَم لإظهار بعض السِّمات الشخصيَّة للإنسان.

واشتهر العربُ قديمًا بالفراسة، حيث كانوا يستخدمُونها في التَّعرُّف على الأعداء، وكشف النوايا، ومعرفة الأنساب، وقص الأثر، وقد استخدمُوا هذه المهارات في الحروب، والتجارة، والأمن.


ومن أشهر من برع في الفراسة، الإمام الشافعي -رحمه الله- فقد سافر إلى اليمن لتعلم الفراسة، فقضى هناك ثلاث سنين، يتعلم فن الفراسة حتى أتقنها، حيث كانت الفراسة في عهده في أوجها، وكان هناك عدد من المتفرسين الذين يتقنون الفراسة، ويحكمون على الأشخاص من ظواهرهم، وكانت دائمًا ما تصدق أحكامهم.

وهناك من القصص تَروي قوَّة وفراسة الإمام الشافعيِّ، منها عندما جاء إليه ثلاثة رجال، يُقال لهم الربيع، والمزني، والبويطي، فنظر إليهم جميعًا وقال للربيع: أنتَ تموتُ في الحديث، وقال عن المزني: هذَا لو ناظَرَه الشَّيطانُ قطعَهُ وجدلَهُ، وقال للبويطي: أنتَ تموتُ في الحديدِ. ويقول الربيع أحد الثلاثة: فدخلتُ على البويطي أيَّام المحنة، فرأيته مقيَّدًا مغلولًا.

وذكر الحميدي: كان الإمام الشافعيُّ صاحب فراسة، إذا ظنَّ شيئًا يكون، خرجتُ معه من مكَّة، فالتقينا رجلًا بالأبطح، فقلتُ للشافعيِّ: خمِّن مهنة الرَّجل؟ فقال الشافعيُّ عندما نظر إلى الرَّجل: نجَّار، أو خيَّاط، قال: فلحقتُهُ فسألتُهُ عن مهنته، فقال: كنتُ نجَّارًا، وأنا الآن خيَّاطٌ.

ومن أشهر أقوال الإمام الشافعيِّ في الفراسة: إذا رأيتُ الرجل في مشيته، وتعبيره، علمتُ حاله، وإنْ لم يتكلَّم! وقيل إنَّ الحارث بن كعب، كان يقرأ الشَّخص كأنَّه كتابٌ مفتوحٌ!.

وتجسَّدت في العصر الحديث شخصيَّة البروفيسور «جوزيف بيل» أستاذ الطب بجامعة إدنبرة، بالقدرة على كشف أسرار الشَّخص بمجرَّد نظرة واحدة، كان «بيل» يُدهِش طلابه بتحليله الدَّقيق لأدقِّ التفاصيل، مستنتجًا معلومات مذهلة عن المرضى من مشيتهم، ومن ملابسهم، وحتَّى من لهجتهم.

لم تقتصر عبقريَّة الطبيب «جوزيف بيل» على الطبِّ فقط، حيث استعانت به الشُّرطة الأسكتلنديَّة لحلِّ بعض القضايا المعقَّدة، ومن شدَّة براعته، تأثَّر تلميذه «آرثر كونان دويل» بأسلوبه في التَّحليل والاستنتاج.

لكنَّ الطبيب «بيل» لم يكنْ مجرَّد مصدر إلهام خياليِّ، بل كان محقِّقًا حقيقيًّا بخمارات تتجاوز الخيال؛ لدرجة أنَّ قصصه أصبحت تَروي كيفَ يمكن للعقل التَّحليليِّ أنْ يحوِّل الملحوظة البسيطة، إلى مفتاحٍ لكشف الألغاز.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة