كتاب

«دونيز ماسون».. سيدة مراكش ومترجمة القرآن

من أشهر المستشرقين الذين قدَّموا خدمات جليلة للثقافة العربيَّة والإسلاميَّة، الفرنسيَّة «دونيز ماسون»، الملقَّبة بسيدة مراكش؛ وُلدت في باريس عام 1901م، وكانت الوحيدة لأسرة ميسورة الحال، شكَّل لها طلاق أبويها عام 1925م، صدمةً كبيرةً كان له الأثر في تغيُّر مجرى حياتها المستقبليَّة تمامًا.

غادرت فرنسا عام 1929م، إلى المغرب الذي كان تحت وطأة الحماية الفرنسيَّة في تلك الفترة، عملت بعد وصولها في مستوصف لعلاج السل في الرباط، وتميَّزت باهتمامها العميق بالإسلام، بدأت في تعلُّم اللُّغة العربيَّة بمعهد الدراسات العُليا بالرباط، وحصلت على شهادة عُليا في اللُّغة العربيَّة.


انتقلت بعدها إلى مراكش، وعملت مديرةً لمستوصف علاج السل بذات المدينة، لتنقطع نهائيًّا عن مزاولة المهنة عام 1932م، كرَّست حياتها لدراسة أوجه الاختلاف والائتلاف بين الديانات السماويَّة الثلاث: الإسلام، واليهوديَّة، والمسيحيَّة.

قامت «ماسون» بتأليف العديد من الكتب، لكنَّها اشتهرت بترجمتها للقرآن الكريم، التي أصدرتها عام 1967م عن دار النشر الفرنسيَّة غاليمار، فيما يربو عن الألف صفحة، والتي كرَّست ثلاثين سنة من عمرها لإنجازها.


لم تذكر «دينيز ماسون» اسمها الكامل على ترجمتها للقرآن؛ تواضعا منها، أو ربما لعدم استفزاز المشاعر الدينية التي قد تنظر باستغراب، إلى قيام سيدة مستشرقة بترجمة القرآن، حيث اكتفى الناشر بوضع الحرف الأول من اسمها، مع اسم عائلتها بالكامل، لتفادي النظرة المحافظة، وردود الفعل الرافضة لفقهاء الإسلام الذين ألفوا تأليف كتب من هذا النوع من متمرسي الاستشراق من الصنف الذكوري.

لقيت ترجمتها للقرآن التَّرحيب لدى مختلف دوائر علماء الإسلام، وأشاد أغلبُ الباحثين بسلاسة ترجمتها وروحانيتها، معتبرين إيَّاها محاولة لتفسير القرآن، لا يمكن تقليدها، ومن بين هؤلاء اللبنانيُّ من مدينة طرابلس الشيخ الدكتور «صبحي إبراهيم الصالح»، الذي صنَّفها ضمن أجود الترجمات، أو بالأحرى أكثرها وفاءً لمعاني القرآن.

يقول المستشرق ومترجم القرآن «جان غروجين» في مقدِّمته لكتاب دينيز ماسون: «النصُّ القرآنيُّ هو معجزةٌ، فهل يكرِّر مترجمه المعجزة تلك؟ وأنَّ الأمر ممكن عن طريق التعلَّق بالنصِّ، والصبر على استقراء معانيه، وذلك ما فعلته دينيز ماسون».

لا زالت ترجمتها للقرآن تُعتبر من المؤلَّفات الأكثر مبيعًا وإقبالًا؛ نظرًا لأسلوبها السلس، ومستواها الأدبيِّ الرفيع، وتتجلَّى الأهمية الكُبْرى لهذا العمل البحثيِّ ذي النَّفس الطويل في كونه يسَّر فهم وتدبُّر معاني القرآن الكريم للجمهور الفرنسيِّ العاديِّ، على العكس من الترجمات الأُخْرى التي كانت في أغلبها، نخبويَّةً وموجَّهةً للفئة المثقفة فقط.

عاشت ماسون بقية حياتها في رياض، كان يُسمَّى رياض الحفظي، بُني في القرن الثامن عشر الميلادي، ولا يزال يحمل اسمها إلى اليوم، في منطقة بدرب زمران في حي دكالة المراكشي في المدينة العتيقة، كان الرياض بمثابة صومعة لها، تستقبل فيه الكثير من الوجوه الفرنسيَّة البارزة في مجالات الثقافة والفن والإعلام، إلى وفاتها في نوفمبر عام 1994م.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!