كتاب
«تاريخ البكاء»
تاريخ النشر: 13 أغسطس 2025 01:23 KSA
«تاريخ البكاء»، كتاب عثرتُ عليه وأنا أتفحَّص عناوين الكتب في إحدى المكتبات، شدَّني بقوَّة، فالكتاب يُقرأ من عنوانه -كما يقولون- مع أنَّ كثيرة هي الكتب التي تُغريك بالعنوان في هذا الزمان، لكنَّها لا تُقرأ أبدًا. ما الذي استهواني في كتاب موضوعه «الدموع»، التي تُشكِّل بالنسبة لي طرفَي معاناة؛ بينما دموعي قريبة يمكن أنْ تنهمر وأنا أقرأ خبرًا في الصحيفة، أو وأنا أشاهد مسلسلًا تلفزيونيًّا وأتفاعل مع موقف أو حالة؛ تعاطفًا، أو فرحًا بمشهد رومانسيٍّ، أو عاطفيٍّ، لا أستطيع السيطرة على دموعي، رغم معاناتي من جفاف العين، وأعيشُ على القطرات المرطِّبة.
«تاريخ البكاء»، تاريخ الدموع الطبيعي والثقافي، «توم لوتز»، ترجمة عبدالمنعم محجوب.
يشير «لوتز» في تقديمه للكتاب، أنَّ ما دفعه للكتابة في موضوع الدموع، هو سؤال أستاذه «رولان بارت» في إحدى المحاضرات، عمَّن سيكتب تاريخ الدموع من تلاميذه. شَعرَ بواجبه الأخلاقيِّ أنْ يتصدَّى لكتابة تاريخ الدموع.
لِمَ الدموع؟، يقول: البكاء، وذرف الدموع ظاهرة بشريَّة عالميَّة، فعبر التاريخ، وفي كل ثقافة، تذرف الدموع انفعالًا، ولا بُدَّ لكلِّ شخص من أنْ يبكي في وقتٍ ما، وفي أيِّ مكان. الناس يبكون ويدمعون.. فعند فقد عزيز، لا أحد يمكنه وقف الدموع.
يقول أيضًا: في جميع أنحاء العالم يبكي الرُّضَّع جوعًا وألمًا، ويبكي الأطفال إحباطًا وخيبةَ أملٍ.. الكبار ينتحبُون لأسباب إنْ تُعَدُّ لا تُحصَى.
النحيب، فعلٌ خاصٌّ بالإنسان وحده، فبقدر ما نعلم، لا حيوان آخر يمكنه أنْ يذرف الدموع لأسباب عاطفيَّة.
إنَّ فهم الدموع بصورةٍ أفضل، لا يتأتَّى من العلوم الطبيَّة والنفسيَّة، ولكن من عدد لا يُحصَى من التمثُّلات الشعريَّة والقصصيَّة والدراميَّة والسينمائيَّة التي تعرِّض الميل البشري إلى البكاء، على الرغم من أنَّ هذا الحقل الثقافي حافل جدًّا، فإنَّ العديد من الأسئلة لا تزال قائمة.. لماذا نبكي؟.
كأنَّ الدموع هي العلامات الخارجيَّة لدواخلنا العاطفيَّة في أوقات النصر، والنجاح، والحب، ولمِّ الشمل، والاحتفال، فهي كذلك متطابقة مع تلك الموجودة في أعمق تجاربنا في الخسارة، والفقد، لماذا تجعلنا بعض طرائق الشعور نبكي؟.
لماذا يُشعرنا البكاء بالطريقة التي نشعر بها؟ كيف نفهم بكاء الآخرين؟ لماذا تُعَدُّ الدموع مقدَّسة؟ لماذا وكيف نتوقَّف عن البكاء؟ متى يكون البكاء عصابيًّا، أو مرضيًّا؟ متى يكون عدم القدرة على البكاء مرضيًّا؟ ما الذي تُعبِّر عنه الدموع تحديدًا؟.
نحن جميعًا تصيبنا الحيرة، أو نُخطئ في بعض الأحيان قراءة الإشارات العاطفيّة: هل هذه المرأة غاضبة؟ هل يشعر هذا الرجل بالألم؟ هل هي خجلى؟ هل هو مهستر؟ وفي أحيان أخرى قد نتجاهل الظواهر العاطفيَّة، أو نأخذها على أنَّها دون تفسير وحسب، لكن من الواضح أنَّ الدموع موجودة، وغالبًا ما يكون أثرها بارزًا بجلاء، ومن الواضح أنَّها تعني إيصال مشاعر قويَّة؛ لدرجة أنَّنا نحاول فهمها على الأقل.
لكن من الأكيد قدرة البكاء على صنع سياقاته الخاصَّة عبر التاريخ، وعلى ترتيب انفعالات البشر منذ القدم المكتوب، إلى المستقبل القريب المحسوس.
البكاء حالة وجدانيَّة أو عاطفيَّة لا يمكن فصلها عن تاريخ البشريَّة وحياة البشر، ماضيًا أو حاضرًا، أو مستقبلًا، فالوليد يستقبل الحياة بالبكاء، والدموع هي الحالة الماديَّة للبكاء. فالبكاء يمكن أنْ يكون نحيبًا، أو نشيجًا، أو عويلًا، ولكل هذه الأسماء حالات.
لدينا نحن العرب -تاريخ خاص- سرِّي وعلني، أو تاريخنا الدمعي، يمكننا من خلاله تصنيف الدموع ومتابعة سيرها، ولدينا أدبياتنا الوفيرة التي نفتخر بها، أو نضحك منها، أو نعتبر بحكاياتها، أو نضحك منها، أو تغرورق أعيننا إغرراقًا.
بالرجوع إلى لسان العرب: البكاء ربما يكون بصوت أو بدونه، أمَّا النحيب فهو البكاء بصوت عادةً، والنشيج مثله، فإذا صار الصوت صياحًا فهو العويل، ويتداخل تعريف البكاء بتعريف النشيج، فالنشيج هو الصوت، ثم استخدم لصوت البكاء، وقيل أشده، وقيل هو أنْ يغص المرء بالبكاء في حلقه من غير انتحاب، كأنْ يردِّد الصبي صوت البكاء في صدره، دون أنْ يخرجه.
والبكاء قد يُسمع وقد لا يُسمع، ولكنه يقترن بذرف الدموع دائمًا.
لكن المهم أننا لا نخجل من البكاء؛ لأنَّه يعبر عن إنسانيتنا، عن عاطفيتنا، يُخفِّف آلامنا وأحزاننا.
«تاريخ البكاء»، تاريخ الدموع الطبيعي والثقافي، «توم لوتز»، ترجمة عبدالمنعم محجوب.
يشير «لوتز» في تقديمه للكتاب، أنَّ ما دفعه للكتابة في موضوع الدموع، هو سؤال أستاذه «رولان بارت» في إحدى المحاضرات، عمَّن سيكتب تاريخ الدموع من تلاميذه. شَعرَ بواجبه الأخلاقيِّ أنْ يتصدَّى لكتابة تاريخ الدموع.
لِمَ الدموع؟، يقول: البكاء، وذرف الدموع ظاهرة بشريَّة عالميَّة، فعبر التاريخ، وفي كل ثقافة، تذرف الدموع انفعالًا، ولا بُدَّ لكلِّ شخص من أنْ يبكي في وقتٍ ما، وفي أيِّ مكان. الناس يبكون ويدمعون.. فعند فقد عزيز، لا أحد يمكنه وقف الدموع.
يقول أيضًا: في جميع أنحاء العالم يبكي الرُّضَّع جوعًا وألمًا، ويبكي الأطفال إحباطًا وخيبةَ أملٍ.. الكبار ينتحبُون لأسباب إنْ تُعَدُّ لا تُحصَى.
النحيب، فعلٌ خاصٌّ بالإنسان وحده، فبقدر ما نعلم، لا حيوان آخر يمكنه أنْ يذرف الدموع لأسباب عاطفيَّة.
إنَّ فهم الدموع بصورةٍ أفضل، لا يتأتَّى من العلوم الطبيَّة والنفسيَّة، ولكن من عدد لا يُحصَى من التمثُّلات الشعريَّة والقصصيَّة والدراميَّة والسينمائيَّة التي تعرِّض الميل البشري إلى البكاء، على الرغم من أنَّ هذا الحقل الثقافي حافل جدًّا، فإنَّ العديد من الأسئلة لا تزال قائمة.. لماذا نبكي؟.
كأنَّ الدموع هي العلامات الخارجيَّة لدواخلنا العاطفيَّة في أوقات النصر، والنجاح، والحب، ولمِّ الشمل، والاحتفال، فهي كذلك متطابقة مع تلك الموجودة في أعمق تجاربنا في الخسارة، والفقد، لماذا تجعلنا بعض طرائق الشعور نبكي؟.
لماذا يُشعرنا البكاء بالطريقة التي نشعر بها؟ كيف نفهم بكاء الآخرين؟ لماذا تُعَدُّ الدموع مقدَّسة؟ لماذا وكيف نتوقَّف عن البكاء؟ متى يكون البكاء عصابيًّا، أو مرضيًّا؟ متى يكون عدم القدرة على البكاء مرضيًّا؟ ما الذي تُعبِّر عنه الدموع تحديدًا؟.
نحن جميعًا تصيبنا الحيرة، أو نُخطئ في بعض الأحيان قراءة الإشارات العاطفيّة: هل هذه المرأة غاضبة؟ هل يشعر هذا الرجل بالألم؟ هل هي خجلى؟ هل هو مهستر؟ وفي أحيان أخرى قد نتجاهل الظواهر العاطفيَّة، أو نأخذها على أنَّها دون تفسير وحسب، لكن من الواضح أنَّ الدموع موجودة، وغالبًا ما يكون أثرها بارزًا بجلاء، ومن الواضح أنَّها تعني إيصال مشاعر قويَّة؛ لدرجة أنَّنا نحاول فهمها على الأقل.
لكن من الأكيد قدرة البكاء على صنع سياقاته الخاصَّة عبر التاريخ، وعلى ترتيب انفعالات البشر منذ القدم المكتوب، إلى المستقبل القريب المحسوس.
البكاء حالة وجدانيَّة أو عاطفيَّة لا يمكن فصلها عن تاريخ البشريَّة وحياة البشر، ماضيًا أو حاضرًا، أو مستقبلًا، فالوليد يستقبل الحياة بالبكاء، والدموع هي الحالة الماديَّة للبكاء. فالبكاء يمكن أنْ يكون نحيبًا، أو نشيجًا، أو عويلًا، ولكل هذه الأسماء حالات.
لدينا نحن العرب -تاريخ خاص- سرِّي وعلني، أو تاريخنا الدمعي، يمكننا من خلاله تصنيف الدموع ومتابعة سيرها، ولدينا أدبياتنا الوفيرة التي نفتخر بها، أو نضحك منها، أو نعتبر بحكاياتها، أو نضحك منها، أو تغرورق أعيننا إغرراقًا.
بالرجوع إلى لسان العرب: البكاء ربما يكون بصوت أو بدونه، أمَّا النحيب فهو البكاء بصوت عادةً، والنشيج مثله، فإذا صار الصوت صياحًا فهو العويل، ويتداخل تعريف البكاء بتعريف النشيج، فالنشيج هو الصوت، ثم استخدم لصوت البكاء، وقيل أشده، وقيل هو أنْ يغص المرء بالبكاء في حلقه من غير انتحاب، كأنْ يردِّد الصبي صوت البكاء في صدره، دون أنْ يخرجه.
والبكاء قد يُسمع وقد لا يُسمع، ولكنه يقترن بذرف الدموع دائمًا.
لكن المهم أننا لا نخجل من البكاء؛ لأنَّه يعبر عن إنسانيتنا، عن عاطفيتنا، يُخفِّف آلامنا وأحزاننا.