كتاب

الجواهر والدُرر

جاء في كتابِ (الجواهرِ والدُّررِ)، لشيخ الإسلام الإمام الحافظ ابنِ حَجَرٍ العسقلانيِّ -المولود عام 773هـ، وذلك في مدينة الفسطاط بمصر القديمة- قصة الإمام (الكسائي) مع المرأة التي كانت تحثُّ ابنها على التعليم، والتي كانت سببًا -بعد توفيق الله- لأنْ يصبح أحد أكبر العلماء في عصره، القصَّة كالتالي:

‏إنَّ الإمام (الكسائي) -رحمه اللهُ- كان راعيًا للغنم حتَّى بلغ أربعين سنةً، وفي يومٍ من الأيام، وهو يسير رأى أُمًّا تحثُّ ابنها على الذهاب إلى الحلقةِ لحفظ القرآن، والولدُ لا يريدُ الذهاب، ‏فقالتْ له: يا بُنيَّ اذهَبْ إلى الحلقة لتتعلَّم، حتى إذا كبرتَ لا تصبح مثل هذا الرَّاعي!


‏فقال الكسائيُّ في نفسه: أنا يُضربُ بي المَثَل في الجهلِ؟!

‏فذهبَ، فباعَ غنمه، وانطلقَ إلى العلمِ وتحصيلهِ فأصبح إمامًا في اللُّغة، وإمامًا في القراءات، ويُضربُ به المثلُ في علوِّ الهمَّة؛ لدرجة أنَّ خليفة المسلمين «هارون الرشيد» اختاره معلِّمًا ومربِّيًا لابنيه (الأمين) و(المأمون)، وبعد انتهاء الدرس في أحد الأيام، قام الإمام (الكسائي)، فذهب (الأمين) و(المأمون) ليقدِّما نعلي معلمهم (الكسائي) له، فاختلفا فيمن يفعل ذلك، وأخيرًا اتفقا على أنْ يقدِّم كلٌّ منهما واحدةً... ورُفع الخبر إلى (هارون الرشيد)، فاستدعى الإمام (الكسائي) وقال له: مَن أعزُّ النَّاس؟ قال (الكسائي): لا أعلمُ أعزَّ من أمير المؤمنين، قال: بلى، إنَّ أعزَّ النَّاس مَن إذا نهضَ من مجلسهِ تقاتَلَ على تقديمِ نعليَه وليَّا عهدِ المسلمِينَ، حتَّى يرضى كلٌّ منهمَا أنْ يقدَّم له واحدةً.


إن العجز والاستسلام ليس له عُمْر أو وقت معين؛ لأنه ليس مرتبطًا برقم بقدر ما هو مرتبط بعقلية، وثقافة وطريقة تفكير، ونظرة متفائلة إلى الحياة.

‏لقد تعلَّمَ (ابنُ الجوزيِّ) المؤرِّخ والفقيه الحنبلي، القراءات العشر وهو ابنُ ثمانين سنةً.. وأصبح يحظى بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في الكثير من العلوم، وأسَّسَ (هنري فورد) شركته العملاقة لصناعة السيارات عام 1903م في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، حين بلغَ الخامسة والأربعين من العمر، فمهما كان عُمرك يمكنك أنْ تبدأ!، وأسَّسَ الكولونيل (هارد ساندرز) سلسلة المطاعم الشَّهيرة «كنتاكي» وهو في الثانية والسِّتين من العمر!، وصُنِّف العالم الأمريكي الأستاذ في جامعة «تكساس» (جون غوديناف) كالأكبر سنًّا من بين الحاصلين على جائزة نوبل منذ إنشائها عام 1901م، حيث حاز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2019م، وهو بعمر 97 عامًا.

وعلى العكس أسس الأخَوَان الشَّابان (دان وفرانك كارني) عام 1958م أول مطعم لتقديم وجبات البيتزا في مدينة «ويتشتا» بولاية كانسس الأمريكيَّة، وبعدها أصبحت أكبر سلاسل مطاعم للوجبات السريعة الأمريكيَّة على مستوى العالم الشهيرة «بيتزاهت» من حيث عدد الفروع، موزَّعة على 90 دولةً حول العالم.

لذلك فالأمور تتعلَّق بالهمم لا بعدد السنوات، وبالعقلية لا بالشَّباب أو الشيب، وبالعزيمة لا بالتردُّد، وبالنظرة إلى النفس والحياة لا بالتجاعيد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة