كتاب

التوحد.. بين التحدي والموهبة

النبوغُ ليس حكرًا على الأشخاص الطبيعيِّين، وإنَّما يشاركهم فيه بعضُ ذوي العاهاتِ، أو الأمراضِ، ومنهم الأشخاص المصابون بطيفِ التوحُّد، أو أحد أنواع التوحُّد، وهو اضطراب طيفي يؤثِّر على التفاعل الاجتماعيِّ، والتواصلِ، والسلوكيَّاتِ، تختلفً حدَّته بشكلٍ كبيرٍ من شخص إلى آخرَ؛ فبعض الأشخاص قد يحتاجون إلى دعم كبير في حياتهم اليوميَّة، بينما الآخرُون يمتلكُون قدرات استثنائيَّة تميِّزهم في مجالات متعدِّدة مثل الرياضيَّات، الفنون، الموسيقى، البرمجة، أو غيرها.

وفي الواقع، يوجد الكثير من الأفكار السابقة التي تُنقِصُ من تقدير هذه القدرات، ولا يُعطى التوحُّد حقَّه من الاهتمام العلميِّ، والمجتمعيِّ، رغم أنَّ بين المصابين به من هُم نوابغ، ممَّن حقَّقوا إنجازات مبهرة في مجالات مختلفة.


فوفق تقديرات منظَّمة الصحَّة العالميَّة، فإنَّ طفلًا واحدًا من كلِّ 160 طفلًا حول العالم يعانُون من اضطراب طيف التوحُّد، مع تفاوت كبير بين الدول، حسب مدى التشخيص، الوعي، والبُنى الصحيَّة.

وكما ورد في بعض التقديرات الحديثة، تتراوح نسبة الأطفال المصابين بالتوحُّد في المملكة بين 1.5% و2% من إجماليِّ عدد الأطفال، وهي أرقام تعكس الحاجة إلى اهتمام خاص ورعاية متكاملة لهذه الفئة.


ومع تزايد الأعداد تبرز بعض التحدِّيات التي تواجه مرضى التوحُّد وذويهم منها: عدم توفر التشخيص المبكِّر؛ بسبب نقص التوعية، وندرة الأطبَّاء المتخصِّصين، والعادات الاجتماعيَّة التي قد تدفع بعض الأسر لإخفاء الحالة، أو تأخير طلب الدعم، وقلة الدعم المؤسسي من حكومات أو مؤسسات تعليميَّة تعمل ببرامج مخصَّصة لدعم التعلُّم، والتأهيل المهني، والدمج الاجتماعي.

لكن من المهمِّ أنْ نؤكِّد أنَّ التوحُّد لا يعني بالضرورة ضعف القدرة العقليَّة، فهناك أطفال، وشباب وشابات لديهم قدرات استثنائيَّة في مجالات عدَّة، مثل: موهبة في الحساب، الرياضيَّات، البرمجة، التفكير، مهارات الرسم، الموسيقى، واللغة.

هذه المواهب غالبًا ما تبقى غير مستغلَّة إذا ظلَّت البيئة التعليميَّة أو الأسريَّة غير داعمة، أو إذا كانت السياسات لا تهتم بتشجيعها.

وممَّا لفت نظري في هذا الموضوع، قراءتي في الأسبوع الماضي لخبر عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، عن سيِّدة عربيَّة تقهر التوحُّد لتترأس جمعيَّة عباقرة العالم، وترأس الجمعيَّة العالميَّة للذكاء، وحاصلة على درجتي دكتوراة.

ولأنَّ التوحُّد من الحالات التي تجمع بين التحدِّي والفرصة، فينبغي زيادة الوعي عبر وسائل الإعلام، المدارس، المراكز الصحيَّة، حتى يفهم الناس أنَّ التوحُّد ليس عيبًا، وأنَّ المصاب به يمكن أنْ يكون متميِّزًا إذا ما مُنِح الدعم اللازم، والتشخيص المبكِّر، والتدخل المبكِّر مطلوبان جدًّا؛ فالعلاجات التربويَّة والنفسيَّة والتأهيليَّة تكون أكثر فاعليَّة إذا ما بُدِئت في عمر مبكر، بالإضافة إلى تدريب الكوادر المتخصِّصة من علماء نفس، اختصاصي النطق، العلاج الوظيفي، التربية الخاصَّة، لضمان تشخيص دقيق ودعم مناسب، وتهيئة المدارس والمؤسسات التعليميَّة لتوفير دعم خاص لهذه الفئة من الطلبة، وتوسيع برامج دمج مرنة في المدارس، والاستجابة لاحتياجات الطلبة ذوي التوحُّد، مع التركيز على القدرات الفرديَّة، وتشجيع الجامعات على تبني مبادرات بحثيَّة متخصِّصة، كما أنَّ القطاع الخاص يمكن أنْ يكون له دور محوري عبر برامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة لتمويل المبادرات، وتوفير فرص تأهيل وتدريب وعمل للبالغين منهم.

التوحد ليس فقط تحدِّيًا، بل فرصة لرُؤية الإنسان بوجهه المختلف، لا أنْ نحكم عليه مسبقًا بضعف أو عجز، بل أنْ نراه ككيان فريد لديه إمكانيَّات وموهبة قد تكون خارقةً إذا وفَّرنا له الاهتمام والدعم والرعاية.

إن من بين المصابين بالتوحد نوابغ، لديهم القدرة ربما على إحداث تغييرات، إلهام، إنجازات تعود بالنفع على المجتمع كله، فلنمنحهم الفرص، والظروف الملائمة، ولنظهر لهم أننا نؤمن بهم وبقدراتهم، لا بأنهم فقط بحاجة إلى تعاطف، بل إلى تمكين لتسهم في بناء مستقبل أفضل.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!